بوابة وادي فاطمة الالكترونية
 

العودة   بوابة وادي فاطمة الالكترونية > «۩۞۩ بوابة وادي فاطمة التعليمية ۩۞۩» > العلوم الإنسانية والتربية والفنون

العلوم الإنسانية والتربية والفنون التاريخ - الشخصيات التاريخية - الجغرافيا - علم الاجتماع - علم العقائد - علم نفس - الفلسفة - الصحافة والإعلام - التربية - الآثار - العمارة - الفنون التشكيلية والزخرفة


إضافة رد
قديم 2013-06-27, 11:52 AM   #1 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي تاريخ المملكة العربية السعودية



Bookmark and Share

المقـدمــــــــة

وقد كتب ابن غنام تاريخـه بأسلوب سيطر عليه السجع المتكلف ، وسـمي ذلك التاريخ روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غـزوات ذوي الإسلام. ولعله بإتباع الأسلوب الذي أتبعه في كتابته إظهـار مقدمته الأدبية ، وبخاصة أنه كان مدرساً لقواعد اللغـة العربية في الدرعية. ولطكن تاريخه على أي حال أول سجل دُون عن حياة الشيخ محمـد بن عبد الوهاب . ونشأة تلك الدولة التي قامت على أساس دعوته الإصلاحية ، وما بذله قـادة الدرعيـة من جهود فيسبيل نشر الدعوة الإصلاحية ، وتوسيع رقعة الدولة . وقـــد إعتني عنايـة فائقـة بالجانب الديني ، فخص الجزء الأول من تاريخه بالحديث عن الأوضاع الدينيـة السائدة في المنطقة قبل ظهور الشيخ محمـد ، وعن حياة ذلك المصلح ، وأورد فيه كثيراً من رسائله الشخصية ، وما رأى إيراده من فتاواه وتفسيره لسور من القرآن الكريم أو آيات منه . ومع أنه جعل الجـزء الثاني من تاريخـه للحديث عن الجانبيين السياسي والعسكرية للدولـة السعوديـة فإنه ضمنه رسـالة مطولـة كتبها الشيـخ محمـد رداً على أحـد معارضيه. وضمنه ، أيضاً رسالة أخـري أجـاب فيها الشـيخ حمـد بن ناصر بن مـعُمر عما آثـاره علماء مكـة من أسـئلة تتعلق بمبادئ الدعوة .
أما عثمان بن بشر فقد كتب تاريخه بأسلوب سهل . لكنه ضمنه فقـرات مسجوعـة سجعـاً غير متكلف وبخاصـة حينما يريـد أن يبرز صفـة من صفات أولئك الذين يكن لهم ودًا كبيراً ، أو يضخم حادثـه فريـدة في نظـره. وقد سـمي تاريخه عنوان المجـد في تاريـخ نجــد.
وركـز كتابتـه على النواحي السياسية والعسكريـة ، ولكنه مع ذلك اعتني عنايـة لا بأس بها بالنواحـي الإداريـة والإجتماعيـة . ولإنـه يـرى أن تاريخ نجـد لا يبدأ حقيقـة ، إلا بظهور دعـوة الشيخ محمـد فإنه جعل بدايـة تاريخه من السنة التي تبايع فيها ذلك الشيخ والأمير محمـد بن سـعود على نشر الدعـوة. ولكنه لم يرد إغفـال ما وقع في نجـد من أحداث قبل تلك السنة .
أما الذين كتبوا عن الدولـة السعوديـة الثانيـة فقد إعتمدوا إعتمـاداً كبيراً على عنوان المجد ، وعلى ما ألفـه إبراهيـم بن عيسى ذيـلاً لهذا الكتاب. وسماه: عقـد الدرر فيما وقـع في نجـد من الحـــــوادث
( 2 )

في أواخـر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر. وقد بدأ تسجيل الحوادث من سنة 1268هـ وإنتهي بحوادث سـنة 1304هـ .
ولكن من حققه ونشره مع كتاب ابن بشـر زاد عليه ما دونـه ابن عيسـى في كتاب آخـر له حتى سـنة 21340هـ . وعقـد الدرر مشابه لكتاب عنوان المجـد من حيث الأسـلوب والمنهج. ولكن مؤلفـه كثيراً ما تجـاوز سـنوات دون ذكـر حـوادثهـا .
وما كتب عن الدولتين السعوديتين الأولى والثانيـة من كتابات جيدة فيه إطـالة بالنسبة لعامة القـراء وطـلاب الجامعـة ؛ وبخاصـة أن قسماً من الطـلاب يدرسون المقررات وفق النظـام الفصلي المتبع في أكثر الجـامعـات السعوديـة . وهذا النظـام يعيق طـالب الدراسـات الإنسانية عن قـراءة ما يمكن أن يقرأه طـالب تلك الدراسات في الجـامعات التي تتبع النظـام السنوي في تدريس المقررات.
ولقد إرتبط التاريخ الحديث لهذه البلاد إرتباطــاً عميقاً بالحكم السعودي حتى أصبح إسمها المملكه العربية السـعوديـة . وإختير هذا لأسم ليكون عنوان المقرر الجـامعي الذي يتناول تاريخ الدول السعوديـة الثلاث كلها مع أن تلك التسمية لم تحـدث إلا في الدولـة السعوديـة الثالثة . وهذا هو السـبب الذي جعل الكتـاب يسـمي بما سـُـمي بـه
أوضــاع البــلاد قبيل دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب : ــ
(1) كانت الحجـاز من المناطق التي شـهدت حركـات علويـة عنيفـة ضـد الدولـة العباسية منذ قيامها . ولقد إستطاعت هذه الدولة أن تقضي على تلك الحركات في عهود خلفائهـا الأقويـاء . ولكن ضعفهـا في أواخـر القرن الثالث الهجري أغـرى زعمـاء العلويين بإسـتئناف نشـاطهم. فإنتزع محمـد بن سليمان الحسني إمـارة مكـة من الوالي العباسي سنة 301هـ ، وإستقل بها وذلك يفيد بأن حكم البلدة المقدسـة بقـي في أيـدي الإشراف الحسـنيين حتى دخلهـا القرامطـة سنة 317هـ . وقد نجـح العباسـيون في إستعادة نفوذهم الرسـمي على الحجـاز بعد سـنوات قليلـة من هذا التاريخ مسـندين ولايتها لأتباعهم الإخشـيديين الذين كان مركـز حكمهـم في مصـر .
وحينما بدأت علامـات الإنهيـار تـدبُ في أوصال كيان الإخشـيديين أمام الزحف الفاطمي إنتعشت روح ألأمل مـرة أخـري في نفوس العلويين في الحجـاز ، وفـرض الزعيم جعفـر بن محمـد الحسني سيطرتـه على سـير الأحداث في مكـة وما حولها . ولما سـقطت مصر في أيدي الفاطميين سـنة 358هـ إسـتولي على مقاليـد الأمور في البلدة المذكـورة. ودعـا في الخطبـة للخليفـة الفاطمي .
( 3 )

وكان ذلك إيـذاناً بتأسـيس حكم الطبقـة الأولى من طبقـات حكام الإشـراف وهي طبقـة الموسـويين .
وكما دُعـي للخليفـة الفاطمي في مكـة المكرمـة دُعـي له في المدينة المنورة من قبل العلويين الحسـينيين ، الذين سـيطروا على الأوضـاع هناك . وبذلك أصبحت الحجـاز تحت النفوذ الفاطمي وإن بذل الوزراء العباسيون من بـني بـُويـه محـاولات لمـد نفوذهم عليها. وقد بلـغ الحاكم الثالث من الطبقـة الموسوية ، أبو الفتوح الحسن بن جعفر درجـة من القوة مكنته من إنتزاع حكم المدينـة المنورة من أبناء عمـه الحسـينيين ، وأغرتــه بأن يعلن نفسـه خليفـة مستقلاً على أن خلافتـه لم تطل . وذلك أن الدسائـس الفاطميـة إستطاعت أن ترغمـه على التخلي عنها وإعـلان تبعيتـه لحكـام مصر . وكما شـهد عهـد هذا الأمير مـد نفـوذ الطبقـة الموسـوية ثم جـزره النسبي وكانت وفاة إبنه شـكر ، سـنة 453هـ بمثابـة إعـلان نهايـة حكم تلك الطبقـة . فقد إنتزع السـليمانيون حكم مكـة من عبد شـُكـر بعد فترة قصيرة جـداً من إسـتيلائـه عليه .
ولقد شـهد القرن الأول من حكم طبقـة الهواشم تنافسـاً شـديداً بين العباسـيين والفاطميين لكسب ولاء أمـراء مكـة وإعرائهم بالدعـاء لهـم في الخطبـة . وكان ولاء بعض هـؤلاء الأمـراء يتذبذب بين الفريقيـن المتنافسين حسب الظـروف . ولكن النصيب الأوفـر من الولاء كان للفاطمييـن بصفـة عامة . وبالإضـافـة إلى ذلك شـهدت تلك الفترة صـراعـاً حــاداً بين إشراف الطبقـة الحـاكمـة ذاتها على الإمـارة .
وحينما إسـتولي السلطان سليم الأول العثماني على مصر سـنة 923هـ ، وكان أمير مكـة الشريف بركات الثانـي ، الذي أوفـد إبنـه أبـاً نـُمي إلى ذلك السلطان معلنـاً ولائـه له . وهكذا أصبحت الحجـاز تحت نفـوذ العثمانيين . وكان من مظـاهـر النفوذ الدعـاء للسـلطان العثماني في الخطبـة ، وأخـذ موافقتـه على ولايـة الشريف الجـديد ، ووجـود ممثل له يشـارك في إدارة شـؤون المدينـة المنورة ، وتعيين شـيخ الحـرم ، ومشـاركـة أمير الحجـاز في واردات جـدة من الجمــارك .
ولقـد كان الصراع الأسـري بين أشراف الحجـاز على الحكم دمــوياً إرتكبت خـلاله أنواع من القسوة والعنف . ولم يخـل تاريخهم الطـويل من ذلك الصراع إلا في فترات قليلـة جـداً . وكان أولئك الإشراف يعتمـدون في صراعهم مع منافسـيهم على من ينضم إليهم من أسـرتهم ومماليكهم وقبائل المنطقـة . وفي بعض الأحيــان كان أمراء الحـج العثمانيون يتدخـلون بقواتهم الخاصـة لمصلحـة هذا الشريف أو ذاك .
( 4 )

ولما كان الإشـراف والتجـار يستـفيدون من الحـج إسـتفادة كبيرة فإن بقيـة سكان البلاد كانوا ينتفعون به بوسائل مختلفـة . وكان لرؤسـاء القبائل ؛ خصوصاً أولئك الذين في شـمال الحجـاز . منافعهم الذاتيـة من الحـج . وذلك أنهم كانوا يفرضون إتاوات على القوافـل المـارة بمناطق نفوذهم ، ويتسلمون هدايـا من قـادة تلك القوافـل .
على أن الأوضـاع الإقتصاديـة في الحجـاز كانت تتأثر تأثراً كبيراً بالأوضاع السياسية العامة . فإذا إستقرت الأوضـاع السـياسـية الداخليـة ، وكانت علاقـة الشرافـة بالقـوى الإسـلاميـة الكبرى طيبــة . تحسـنت الأوضـاع الإقتصاديـة ، وسـاد البـلاد نوع من الرخـاء وإن لم تكن كذلك حـلت الكـوارث الإقتصاديــة وتدهـورت الأحـوال .
وتشـير إحـدى الدراسـات إلى أن إشراف الحجـاز كانوا يتبعون المذهـب الزيـدي حتى القـرن التاسع الهجـري. ثم إعتنقـوا المذهب السـني خـلال النصف الأول من هذا القـرن . أمـا باقي سكان الحجـاز فكانوا ، بصفـة عامـة ، سـنة قبل ذلك التاريخ وبعده . وكان لوجـود الحرمين الشريفـين في البلاد أثره الكبير في الحيـاة العلمية .
فقـد كان بعض العلماء من الأقطـار الإسـلاميـة المختلفـة يجـاورون في مكـة المكرمـة والمدينة المنـور وكثيراً ما قام بعضهم بالتدريس والتأليـف .
ومع وجـود العلماء وإزدهـارالحركـة العلمية في مكـة والمدينـة فإن الحجـاز لم تخـلُ من أصحاب المذاهـب التي يستنكرهـا المحققون من علمـاء المسلمين . كمـا أنها لم تخـلُ من الأمـور البدعيـة والخرافيـة المنتشرة في كثير من البلدان الإسـلامية . وكان كثير من فئـات القبائل الحجـازيـة على جهـل كبير بأحكـام الديـن الإسـلامي . ولذلك لم تكن محـافظـة على ممارسـة شـعائره أو ملتزمـة بواجبـاته . وهناك من المصـادر ما يشـير إلى إنحطـاط الأخـلاق وإنتشـار بعض الأمـور التي يحرمهـا الديــــن الإسـلامي الحنيـف وتأبـاهـاً القيـم العربيـة الأصـلية ، وبخاصـة بين أفراد الطبقـة المنفـذة في البـلاد .
(2) جنـــوبي غـرب البــلاد : ــ
ويشـتمل ذلك على عسير والمخـلاف السليماني ونجـران . وقد إمتـد نفـوذ إشراف الحجـاز إلى القنفـذة جنوبـاً . وهذا يعني أن منطقـة عسـير، بسـراتها وتهامتها ، قد دخلت تحت نفـوذ أولئك الإشـراف . وإذا كان من المرجح أن نفـوذ الإشـراف كان واضحـاً في تهامـة لسـهولـــة التحرك العسكري في الجهـات



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:53 AM   #2 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




السـاحليـة ، فإنه من المحتمل أن يكون نفوذهم في الجهـات الجبليـة ولم يكن أكثر من تحـالف بعض القبائل هناك معهم . أما ولاء السكان الحقيقي فكان للزعمـاء المحـليين التقليـديين .
وكانت الحياة الإقتصاديـة في عسـير تقوم على أمـور عـدة أبرزهـا الزراعـة والثروة الحيوانية والسمكيـة . وكانت الزراعـة والثـروة الحيـوانيـة تتأثران بالعوامل الطبيعيـة والظـروف السياسـية المحليـة . ولكن وجـود الأمطـار الموسـمية في تلك المنطقـة يوحي بأن الحياة الإقتصاديـة هناك لم تكن ســيئـة .
وكانت منطقـة عسـير بعيدة نسـبياً عن مركز الحركـة العلمية في مكـة والمدينـة واليمن . ولهذا فإن المصادر المتوفـرة لـدى الباحثين لم تشـر إلى وجـود علمـاء فيها خـلال تلك الفترة ويبدو أن الوضع الديـني هناك لم يكن حسـناً لا من حيث العقيـدة ولا من حيث القيام بأركان الإسـلام والإلتزام بواجبـاته .
أما المخـلاف السـليملاني فقد شـهد وحـدة إقليميـة في القـرن الرابع الهجـري على يـد سـليمان بن طـرف الحكمي ، الذي سـُمي المخلاف بإسمه . ولكن إمارتـه إنتهـت على يـد الحسين بن سـلامـة ، أحـد موالي الدولـة الزياديــة الأقويـاء ، قبل نهايـة ذلك القـرن، وبعد ذلك أصبح المخلاف إمـارات متعددة تتولي قيـادة أكثرهـا زعـامات من الإشـراف الذين يدينون بالولاء لحكام صنعاء.
وكانت قبائل نجـران الياميـة نشطـة جـداً من الناحيـة العسكريـة ـ ولذلك فإن زعمـاء المخلاف السليماني كثيراً ما أستعانوا بتلك القبائل في حروبهم ضـد منافسـيهم المحلـيين وخصومهم من الخـارج .
ومن هنا فإن النشـاط العسكري كان من مصـادر دخل القبائل النجـرائيـة المهمـة .
وكان الجهل الديـني كبيراً بين القبائل الرحـلً في ذلك الإقليم ، ويبدو أن ممارستها لأركان الإسـلام من صـلاة ونحـوها كانت قليلـة حينـذاك ؛ مثلها في ذلك مثل كثير من فئات القبائل في مناطق متعددة .
(3) شـــرقي البــلاد : ــ
كان شـرقي البلاد يسـمى البحرين . ويشتمل على جهـتي الإحسـاء والقطيف أو ما أصبح يـدع الآن المنطقـة الشرقيـة . وكانت قبيلـة بني عبد القيس الساكنة هناك من أولى القبائل التي إسـتجابت للإســلام .
ولهذا فإن أول جمعـة أقيمـت في غير المسجد النبوي كانت في مسـتجد جـواثي المقام في تلك المنطقـة . ثم أصبح المــدُ الشـيعي الباطني فيها أشـد عنفاً منه في بقيـة مناطق الجـزيرة العربيـــــــة . ذلك
( 6 )


أنها كانت مركز دولـة القرامطـة التي بدأت في أواخـر القرن الثالث الهجري . وقد بلغت هذه الدولـة عنفوان قوتهـا العسكريـة في الربع الأول من القرن الذي تـلاه . وما قـام به زعمـاء القرامطـة حينذاك من أعمال رهيبـة في الحجـاز والعـراق والشـام من الأمـور التي فصلتها المصادر التاريخيـة المختلفـة .
على أن الضعف حـل في كيان الدولـة القرمطيـة خـلال القرن الخامس الهجري. وبدأت كثير من القبائل، التي إنضمت إليها في السابق لأغـراض ماديـة ، تنفصل عنها وتقاومها . وفي سـنة 466هـ إسـتطـاع عبد الله بن علي العُيـوني من بني عبد القيس أن يحصل على معونـة عسكرية من الدولـة العباسية تمكن بها من القضـاء على دولـة القرامطـة ، وأسس في المنطقـة دولـة له ولأسـرته من بعده.
وكان أشـهر أمراء هذه أسـرة زامل ــ بل أشـهر زعيم حكـم تلك البـلاد في العصر الإسـلامي الوسيط ـ أجـود بن زامـل الذي إتسـع نفـوذه إتساعـاً عظيمـاً شمل شـرقي الجـزيرة العربية وأجـزاء كبيرة من عمـان ونجـد . ولعل مما زاد في شـهرته ؛ إضـافـة إلى قوتـه العسكرية، ما كان يتصف6 به من صفات جليلـة ورعايـة كريمـة للعلم وأهلـه. ومن أمراء تلك الأسرة المشهورين مـُقـرن بن زامل الذي إستشهد على أيدي البرتغاليين وحلفائهم من الهرمزيين دفاعـاً عن بلاده سـنة 927هـ .
وكانت قـوة زعمـاء بني خــالد تزداد وتتوطـد في شـرقي الجـزيرة العربية . وكانوا يثيرون المشكلات للحكام العثمانيين الذين لم يجـدوا بـداً من إسترضائهم بالمال حينا وبالمناصب حينـاً آخـر. على أن طمـوح أولئك الزعمـاء لم يتوقف . وحينما إضطربت أحـــوال الحكام العثمانيين في المنطقـة نتيجـة الخلافـات بين والي بغداد وحاكم البصـرة إنتهز براك بن غـُرير آل حـُميـد الفرصـة فثار ضـدهم. وقد نجـح في الإسـتيلاء على الإحسـاء بين سـنتي 1074هـ ، 1076هـ .
وكان المذهـب الشـيعي الباطـني هو المذهـب السـائد في المنطقـة الشرقية زمن القرامطـة . ثم أصبحت تلك المنطقـة موطنـاً يوجـد فيه المذهب الشـيعي الجعفري جنبـاً إلى جنب مع المذاهـب السـُنية الأربعـ’ . على أن زعامتها السياسـية منذ القضـاء على الحكم القرمطي فيها كانت سـنيًـة بصفة عامـة . وربمـا كان لوجـود مذاهـب دينيـة مختلفـة في تلك المنطقـة أثر في تقدم الحركـة العلمية فيها وقـدوم طـلاب العلم إليهـا من مناطـق أخـرى .
(4) نجـــــد : ــ
( أ ) لمحـة تاريخيــة : ــ تكون منطقــة نجـد وسـط الجـزيرة العربية . وتنقسـم إلى عـدة أقاليم أهـمهـا وادي الدواسـر والفـُرع ــ حوطـة بني تميـم والحريق ــ والإفـلاج والخـرج والعارض والمحمل وسـدير والوشـم والقصيـم وجبل شـمر . وكان يُطـلق على هذه الأقـاليم ـ وبإستثناء وادي الدواســـــــر
( 7 )

والقصـيم وجبل شـمر ـ أسم اليمامـة في كثيـر من الفترات التاريخيـة . وكانت ولايـة اليمامــة في القـرنين الأول والثاني من الهجـرة مربوطـة بعاصمـة الخلافـة مباشـرة حينـاً وتابعـة لمناطـق إداريـة حينـاً آخـر .
وفي منتصف القرن الثالث الهجري ـ قامت ثـورة علويـة في الحجـاز بقيادة إسماعيل بن يوسف. ولكن هذا القائـد توفي بالجـدري . ولم ينجح أخـوه محمـد ـ الملقـًب الأخيضر ـ في مواصلـة الثورة هناك . فهرب إلي اليمامـة ، وإسـتطـاع أن يسـتولي عليهـا سنة 253هـ . وبذلك بدأت الدولـة الأخيضريـة التي كانت تعتنـق المذهـب الزيـدي ، وإسـتمرت حـولي مئـتي سـنة .
وبعد زوال الدولـة الأخيضريـة أصبحت نجـد مفككـة ؛ كل بلدة لها زعامتها المستقلـة المعاديـة في كثير من الأحيـان لجـارتها، وكل قبيلـة تسـيطر بـقدر إستطاعتها على منطقـة رعـويـة وبخاصـة بها . ولذلك أصبحت الأراضي النجديـة مجـال توسع للدول التي قامت بجوارها شـرقـاً أوغربـاً .
ويسـتفاد من شـعر ابن المقرب أن دولـة العيونيـين كانت من القـوة في فترة من الفترات مكنتها من أن تحمي القوافـل التابعـة لها عبر نجـد .
وهـكذا يتبين أن نجـداً كانت في حاجـة إلى دعـوة إصـلاح دينيـة . وتوضح للجهـال من الناس ما خفي عليهم من أمور الدين وأحكامــه، وتقضي على كل ما من شأنه أن يخـلً بعقائـد المسلمين ، وتلزم من لم يكـونوا يؤدون أركان الإسـلام من صـلاة وزكاة وصـوم وحـج بأدائهـا .
وكانت نجـد ، فيما يبدو، مكانـاً مناسباً لنجـاح الدعـوة الإصلاحيـة الدينيـة . ذلك أن الصوفية لم تكن ذات جـذور عميقـة فيها ، كما هي الحـال بالنسـبة لكثير من الأقطـار الإسلامية حينذاك . وكانت خالية من المذاهـب غير السُنيـة . ولم يكـن لـدى باديتها آراء عن الديـن .
وكانت نجـد ، أيضا في حاجـة إلى حركـة سياسـية إصلاحيـة تجمـع شـتات إماراتها وقبائلها تحت رايـة واحـدة ليسود الأمن والإسـتقرار فيها . ومن الواضح أنها كانت أرضاً قابلـة لنجـاح حركـة من هذا النوع . ذلك كانت بعيدة عن متناول السلطـة العثمانيـة المركزيـة ؛ لا سيما أن النفوذ العثماني في جزيرة العرب كان قد تقلـس إلى درجـة كبيرة حينذاك .
وكان إختلاف الإمارات النجديـة وإن بدا عامـلاً سلبياً إلا أنه كان من الممكن الإستفادة منه في مسيرة الحركـة الإصلاحيـة . ذلك أن زعيم الإصلاح عندما يفشل في بلدة معينـة فإن فرصة نجاحـه في بلدة أخرى غير بعيدة عنها كان أمراً كبيرالإحتمال .


( 8 )

فخلاف أمير البلدة الثانيـة مع صاحب البلدة الأولى قد يدفعـه إلى الترحيب بالمصلح الذي رفضـه ذلك الأمير . وما حـدث لزعيـم الإصـلاح الشيخ محمـد بن عبد الوهاب ودعـوته الدينيـة السياسية أكبر الأدلـة على صحـة ما ذكر .
الشـيخ محمـد بن عبد الوهـاب ودعـوتـه : ــ
( 1 ) أسـرته ومولــده : ــ
ينتمي الشــيخ محمـد بن عبد الوهاب إلى أسرة تسمي آل مُشـرف . وهـذه الأسـرة فرع من فـروع آل وهبـة أحـد بطون قبيلـة بني تميم المشهورة . وكان مُشـرف الجـد التاسع للشيخ محمـد حسب الروايات الراجحـة . فهو محمـد بن عبد الوهاب بن سـليمان بن علي بن أحمـد بن راشـد بن بـُريـد بن محمـد بن بـُريـد بن مـُشرف .
وكانت أسرة آل مـُشرف تسكن في بلدة أُشيقـر . ومن هناك إنتقل بعض أفرادهـا إلى بلدان نجـديـة أخرى. ولقـد إشتهرت تلك الأســرة بالعلم . فمنذ القرن العاشر الهجري والمصـادر تتحـدث عن علمــاء منها . وذلك أن الشيخ عبد القادر بن بـُريـد بن مـُشرف كان قاضيـاً ، وكان من بين سـتة علماء حـُكموا في مسألة الخلاف الذي وقع بين الفقيهـين النجـديين أحمـد بن عطـوة وعبد الله بن رحمـة .
وكان أحمـد بن محمـد بن مـُشرف أحـد تلاميذ العلامـة موسى الحجـاوي في دمشق ، كما كان أحـد أستاذة العالمين الجليلين محمـد ابن إسماعيل وسـليمان بن علي .
وكان عبد الوهاب بن سليمان ، والد الشيخ محمـد على درجـة علمية أهلته ليصبح قاضياً في بلدة العُيينـة ولكن مكانتـه العلميـة لم تبلـغ على أي حـال ، ما بلغتــه مكانـة أبيـه سـليمـان .
وهـكذا وُلـد الشيخ محمـد في أسـرة علميـة باديـة الثـراء ، أو على الأقل ميسورة الحال. وكان مولده في بلدة العـُيينـة سنة 1115هـ / 1703 م .
(2) نشـأتـه ودراسـته الأولــى : ــ
المعلومات المتعلقـة بنشأة الشيخ محمـد قليلـة جـداً . وعلى أي حـال فقـد جـرت المـادة أن يتبع الأبناء سـيرة الآبـاء في كثير من إتجـاهات الحياة ؛ وبخاصـة في تلك الفترة. ولذلك كان أبناء العلماء في الغـالب ، يسلكون طريقـة آبائهم في الدراسـة والإشتغال بالعلم .
وكان أولئـك الأباء يشـجعون أبناءهم على ذلك . وكما شـجع سـليمان بن علي أبنيـة عبد الوهـاب وإبراهيـم على طلب العلم ، ووفـر لهما سـبيله ، قام ابنه عبد الوهاب بمثل ما قام به تجـاه ولديـه محمـد وسليمـان .
( 9 )


ولقد أظهـر محمـد بن عبد الوهـاب رغبـة عظيمـة في التعـلُم منذ صـغره لدرجـة أنه لم يكن يمارس ما كان يمارسه الأطفـال في مثل سـنه من لهـو ولعـب . وكان أول شـيء إتجـه إليـه في بدايـة مسـيرته العلميـة هو القـرآن الكريـم . ويقـال : إنه حفظـه قبل بلوغـه سـن العاشـرة من عمـره . وبعد أن إنتهي من هذه المهمـة شـرع في دراسـة العلـوم الشـرعيـة الأخري ؛ وبخاصـة الفقـه الحـنبلي الذي أخـذ يدرسـه علـى يــد أبيـه عبد الوهـاب .
ولقـد تهيأت للشـيخ محمـد عوامل سـاعدتـه علـى سـرعـة التحصيل والنجـاح في الدراسـة . وذلك عائـداً إلى شـخصيته ذاتهـا وذلك ما كان عائداً إلـى البيئـة الأسـريـة التي نشأ فيها .
ونتيجـة لكل ما سـبق نجـح محمـد بن عبد الوهـاب في خطـواتـه العلميـة الأولى نجـاحـاً عبر عن مـداه أبـوه بقوله :" لقد إســتفدت من ولـدى فـوائـد من الأحكام قبل بلوغـه " وكان بلوغـه ـ على غير عـادة الكثيرين ــ في الثانيـة عشرة من عمـره . ولذلك زوجـه والده في تلك السن ، كما قام بحجـة الأول.
وبعد رجـوع الشيخ محمـد من حجـه وزيـارته للمدينـة المنورة إلى العيـُينـة واصل مثابرتـه على التعـلُم . ومع مواصلته دراسـة الفقــه أخـذ يقـرأ في كتب التفسـير والحـديث والتوحيد . وكان يفهم ما يقرأ فهمـاً جيـداً. ولكن المناخ التعليمي كان بعيـداً كل البعد عن إشـباع طموحـه المتحفـز إلى مزيـد من المعرفــة . وعلى هـذا الأسـاس عقـد العـزم على البحث عن ضالته في أمكنـة أخـري .
( 3 ) ســفره لطـلب العلـم : ــ
كانت الإنطباعات التي تكـونت لـدى الشيخ محمد إبـان حجـه الأول لا تزال عالقـة في ذهنـه حينما هم بمغادرة العـُيينـة لمواصلـة تعلـُمـه . وكان ما رآه في الحرمين الشريفين من حلقـات العلم والوعاظ كافيـاً لإقناعـه بأن تكون خطـوته الأولى في أسـفاره العلمية إلى الحجـاز . وهكـذا سـافر إلى مكـة المكرمـة حيث حـج مـرة ثانيـة .
ومع إحتمال بقائـه في تلك البلدة المقدسـة بعد الحـج للدراسـة فإن المصادر لا تذكـر دراسته على علمـاء فيها . ولعلـه لم يمكث هناك مـدة تسـتحق العنايـة والتسجيل. على أنه ما لبث أن سـافر من مكـة إلـى المدينـة حيث بدأ مرحلـة مهمـة من مراحـل دراسـته .
وكانت المدينـة المنورة ملتقي العلمـاء وطـلاب العلم من الأقطـار الإسلامية المختلفـة. ونظـراً لحضـور الشيخ محمدا قد حضر دروس عـدة علمـاء في المسجد النبوي فإن صلته بالشـيخـين عبد الله بن سيف ومحمـد حياة السـندي كانت أوثـق وأعمـق من صلته بأي عالم غيرهما .



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:53 AM   #3 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




وقد عـاد الشيخ محمـد في نهايـة المطـاف إلى نجـد منهيـاً بذلك رحـلاتـه العلمية . وكان أبـــــــوه عبد الوهاب قد عـُزل عن قضـاء العيـينـة سـنة 1139هـ . فإنتقـل إلى حـُريملاء حيث أصبح قاضياً لهـا .
والمصـادر الموثوقـة المقربـة من الشيخ محمـد لا تذكـر أن رحـلاته العلميـة خـارج نجـد تجـاوزت ثلاثـة أمكنة : الحجـاز ، والإحسـاء ، والبصـرة . ولكن بعض المصادر أشارع إلى أنه سـافر إلى بلدان أخـرى في العـراق والشـام وفـارس .
(4) بدايـــة دعـوتـه في نجـد وأهدافهـا : ــ
من المرجـح أن وصول الشيخ محمـد إلى حريملاء بعد عودتـه من أسـفاره خـارج نجـد كان بين سـنتي 1144هـ و 1149هـ ، وحينمـا بدأ تلك الدعـوة إنقسـم الناس حولهـا إلى فريقـين : مؤيـد ومعارض. وكان المـؤيدون لها أقل من المعارضـين بكثير. ولكنهم كانوا متحمسين للسير مع الداعيـة في طريق الإصلاح مهمـا كانت النتائـج . وممن إختلف مع الشيخ محمـد في تلك الفترة أبـوه عبد الوهـاب . ولكن الخـلاف بينهما كان فيما يبدو حـول أسـلوب الدعـوة لا جـوهرها. وقد ألف الشيخ محمـد وهو فـــي حريمـلاء كتاب التوحيـد الذي هو حق الله على العبيـد . ولقد لـقي هـذا الكتاب رواجـاً كبيراً وإنتشرت نسـخ منه في مختلف بلدان المنطقـة .
ولعل أهم ما تهـدف إليه دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب هـو إفراد الله سبحانه وتعالي بالعبادة ، ومحاربـة الشرك بجميع أنواعـه ، وســدُ الذرائـع المؤديـة إليـه ؛ ومن أبـرز أهدافهـا ، أيضاً القضاء علـى البـدع في الديـن ، وتطبيق الشريعـة الإسـلامية في كل أمـور الحياة ـ وذلك في ظـل دولـة قادرة على تحقيق تلك الأهـداف .
وبعد وفـاة ـ الشيخ عبد الوهـاب بن سليمان سنة 1153هـ ـ إزداد إنكار إبنه الشيخ محمد لما يراه باطـلاً ، وإنتشرت دعـوته أكثر من ذي قبل في المنطقـة كلها حتى بدأ بعض أنصاره يفـدون إليـه وبدأ عـدد من الأمـراء يصغـون لما ينـادي بـه . وممن قبل دعـوتـه حيـنذاك أمير العـُيينـة عثمان بن معمـر .
(5)إنتقـال إلى العـُيينـة وبدايــة تطبيق الدعــوة : ــ
من المرجح صحـة القصـة التي رواها ابن بشر عن محاولـة الإعتداء على الشيخ محمـد في حريملاء من قبل أناس عـزم ذلك الشيخ على تأديبهم لمزاولتهم أعمـالاً قبيحـة . ولكن من المرجـح أيضاً أن تلك المحاولـة لم تكـن السبب الأكبر في إنتقالـه من البلدة المذكـورة إلى العـُيينـة. بل كان الســــبب الجـوهـري
( 11 )


لذلك الإنتقال هو قبول عثمـان بن معمـر للدعـوة . ومن الأسـباب الأخـرى أن العـُيينـة كانت أقـوى من حـريمـلاء المنقسمة حينذاك إلى فئـتين لا تعترف إحداهما بزعامـة الثانيـة على البلدة. وأن العـُيينـة مسـقط رأس الشيخ ومكان نشـأتـه الأولى . وفي ذلك ما فيه من ميلـه النفسـي إليهـا . وكان إنتقالـه إلى هذه البلدة ســنة 1154هـ . وحين وصـل إليها رحـب به أميرهـا عثمـان كل الترحيب . وأكرمـه غايـة الإكـرام . وأمـر إتباعـه أن ينفـذوا ما أمرهـم بـه . ثم تزوج الشـيخ عمـة الأميـر عثمـان ، الجـوهـرة بنت عبد الله بن معمـر، التي كانت لها مكانـة رفيعـة في الحياة العامـة ، وإزدادت بذلك أواصـر التقارب بين الأمير والشـيخ وبين أسـرة كل منهمـا .
وهكـذا إجتمع الجـو المناسب مع ما كان للشيخ محمـد من سـمعة طيبة وتأهيل جيـد، فأصبحت فرص النجاح لدعوتـه كبيرة جـداً ، وقد إزداد عدد المنضمين إلى تلك الدعـوة من أهل العـُيينـة وما حـولها بسرعة . وأصبح هو في وضع يتيح له أن يبدأ بتطبيق ما سبق أن نادي به من آراء . فقام هو أن أنصاره بقطع الأشجـار التي يتوسل بها الجهـال ، وهـدم القبـة المبنيـة على قبـر في الجـُبيلـة يظـن كثير من الناس أنه قـبر زيــد بن الخطـاب رضي الله عنه . وكان بعض الجهلـة من العامـة يتبركون بتلك القبـة ويقدمـون النـذور إليهـا .
ومن الأمـور المهمـة التي قام بها الشيخ محمـد في العـُيينـة معاقبـة من لا يـؤدون الصلاة جماعـة في المساجد. وإرسال الدعـاة إلى البلدان النجديـة القريبـة من تلك البلدة لنشـر دعـوته. ولكن من أعظـم الإعمال التي قام بها فهـزت المجتمع ، رجمـه لأمـرأة توافـرت لديـه شـروط رجمهـا. وكانت تلك الأعمال بمثابــة إعـلان بدايــة دعـوته عمليــاً ودخـولها إلى مرحلـة جـديدة مهمـة .
(6)ردود الفعـل لتطبيق الدعـوة : ــ
سـبق أن ذُكـر إنقسـام الناس حـول دعـوة الشـيخ محمـد إلى مؤيديـن ومعارضين منذ بدايـة تلك الدعـوة في بلدة حريملاء . ولعل أهم سـبب للتأييـد أو المعارضـة الإقتناع الشخصي بصحـة مبادئ الدعـوة أو عـدم صحتها. ولكن حينما دخلت الدعـوة مرحلـة التطبيق إزداد نشـاط معارضيها ، وإنضم إليهم عدد قليل ممن سـبق أن إعترفوا بصحتها.
ولعـل من أسـباب معارضـة بعض المعارضين إنكار الشـيخ محمـد على من إعتاد أن يأخـذ أجـوراً من المتخاصمين مقابل الفصل بينهم وعـده ذلك رشـوة . على أن من تلك الأسـباب خـوف بعض العلماء من هبوط مكانتهم الإجتماعيـة فقد رأوا أن الناس سـوف يسـألون : هل كان هـؤلاء العلماء
( 12 )


يعرفـون خطـأ ما تزاولــه العامـة من أمـور أنكرها الشيخ ولم يبيـنوه لهم أو كانـوا لايعرفـون حكـم هذه الأمـور؟ فإن كانوا يعرفون ذلك وأخفـوه فهم غير مخلصين. وإن كانـوا لا يعـرفونه مع أهميتـه فهم جهـلاء بالديـن . وكـلاً الأمريـن ســيجعل النـاس يحتقــرونهم إجتماعيـاً . وقد فسـر الشيـخ محمـد ذلك بالبغــي .
وحين أدرك المعارضون لدعـوة الشيخ محمـد فشل محاولاتهم الجـدليـة رأوا أن يعمـدوا إلى إستعمال أسلوب آخـر للقضاء عليها . فإتجهـوا إلى الأمـراء وأغـروهم بوضع حـد لها لئـلا يستفحل خطرهـا علـى حـد زعمهم ـ محـدرين بأن من أهدافهـا إثـارة العامـة علـى الخاصـة والزعمـاء وكان أهم أمير إتجــه إليه المعارضون سـليمان ابن محمـد آل حـُميـد، زعيـم بني خـالد وحاكـم الإحسـاء وذلك أن الإحسـاء بموقعهـا وبموانئهـا كانت مهمـة من الناحيـة الإقتصاديـة لسـكان نجـد بعامـة ولسكان العارض بخاصـة . وكانت العلاقـات بين الزعامـة الخـالديـة وآل معمـر قـويـة جـداً وكان سـليمان بن محمـد بالذات يدفـع معونـة ماليـة كل سـنة إلى الأمير عثمان بن معمـر .
وكان لعثمـان ــ إضـافـة إلى ذلك ــ مزرعـة في الإحسـاء تـدرُ عليه دخـلاً لا بأس به . وكل هذه أمـور يمكن أن تستعمل في الضـغط على أمير العـُيينـة ليتخلي عن تأييـده للشـيخ محمـد ودعـوتـه .
وقد نجـح المعارضون للدعـوة من العلماء في إقنـاع الزعيـم الخـالدي برأيهم ، وكسـبوه إلى جانبهم . فكتب ذلك الزعيـم رسـالة إلـى عثمـان بن معمر يطلب منه أن يتخلص من الشـيخ محمـد . وقـد هـدده ــ إن هو لم يقم بما طـلب منه ــ بقطـع معونتـه الإقتصاديـة ومنعـه من إسـتلام دخـل مزرعتـه ، وعـدم السـماح لتجـار بلدتــه بدخـول الإحسـاء وإسـتخدام موانئهـا .
وإدراكاً من عثمـان بن معمـر لخطـورة ما هـدده بـه الزعيـم الخـالدي ، وخـوفـاً من إتخـاذ إجـراءات عسـكريـة ضـده أخبـر الشـيخ محمـداً بأن عليه أن يترك بلدتـه. ولم تنجـح محـالات الشـيخ فـي إقناعـه بالصمود أمام تهـديدات الحاكـم الإحسـائي ورفـض أوامره. وبـات على الشـيخ محمـد في نهايـة الأمـر أن يغـادر البلدة التي شــهدت بدايـة تطبيق دعـوتـه وإزديـاد شـهرتـه داخـل نجـد وخـارجهـا .
ــ قيـام الدولـة السـعوديـة الأولي وتوحيـد نجــد : ــ
تنسـب بعض المصادر آل سـعود إلى قبيلـة عنـزة المشهورة بهذا الأسـم في الوقت الحاضر. وهذا هو الشائـع لـدى كثيـر من النـاس . غير أن ابن بشـر في إحـدى روايتيه ، وابن عيسى يذكران أنهم من بني حنيفــة . ومعروف أن عنـزة وبنى حنيفـة من وائل ، ولذلك فإن آل سـعود وائليون على أي حـال .
(13 )

وكانت الأسـرة السـعوديـة قبل تسـميتها بهذا الأسـم تـُدعي آل مـُقـرن نسبة إلى مقـرن بن مرخـان ، جـد محمـد بن سـعود مؤسس الدولـة السـعوديـة الأولى .
ومن المعروف أن فروعاً من بني حنيفـة قد إنتقلت من واديهـا إلى شـرقي الجـزيرة العربيـة في فترات تاريخيـة مختلفــة .
وفي عهـد محمـد بن سـعود حـدث ما غـير وجـه تاريـخ المنطقـة كلهـا .
( 2 ) قيـام الدولـة السـعوديـة : ــ
عندما أصبح ضرورياً أن يترك الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب العُيينـة كانت الدرعيـة أنسب مكالن يمكن أن يتوجـه إليه . فقد كانت قوتهـا أخـذة في الإزديـاد . ولعل من أدلـة ذلك أنها تمكنـت من الصمود أمـام هجـوم قائـد بني خـالد عليها سـنة 1133هـ . وأنها كانت في مركـز قوي جعلهـا تفكـر في الهجـوم علـي العـُيينـة سـنة 1139هـ ، وأن دهـام بن دواس، أمير الرياض لم يسـتطع أن يسـيطر على مشكلاتـه ، الداخليـة سـنة 1152هـ ، إلا بمساعدتها وإضـافة إلى ذلك فقد شـهدت إسـتقراراً داخلياً منذ تولي محمـد بن سـعود عليها سـنة 1139هـ . وكانت إمارتها ذات علاقـة سـيئة مع الزعامـة الخالديــة التي كانت وراء إحـراج الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب من العيينـة .
ولهـذا كان من المتوقـع أن ترحـب بمن يشاركهـا في سـوء العلاقـة مع تلك الزعامـة على أن ما هو أهم من ذلك كلـه أن دعـوة الشـيخ محمـد سـبق وأن لقيت قبـولاً حسـناً لـدى كبار الدرعيـة ومشهوريها .
وقد خـرج الشيخ محمـد بن عبد الوهاب بأسرتــه من العـُيينـة ومعه فرقـة من حرس الأمير عثمـان بن معمـر لحمايته. وحينما وصل إلى الدرعيـة ونزل ضيفـاً عند آل ســويلم الذين كانوا من كبار البلدة ومن المتحمسين للدعـوة . ثم آتي إليه الأمير محمـد بن سـعود برفقـة أخـويـه مشـاري وثنيان ، ورحـب به غايـة الترحيب ووعـده الحمايـة والتأييـد .
وبينمـا يتفق كل من ابن غنـام وابن بشـر على أن الأمير محمـد بن سـعود إشترط على الشيخ محمـد ــ مقابل تأييـده والوقـوف مع دعـوتـه ــ ألا يغادر الدرعيـة مستقبلاً يضيف ابن بشر إلى ذلك شرطـاً آخـر للأمير، وهـو آلا يعارضه الشيخ فيما كان يأخذه من سـكان البلدة من ضريبـة سنويـة . وكانت إجـابـة الشيخ بالموافقـة على الشرط الأول . أما بالنسـبة للشرط الثاني فقد قال: إني أرجـو الله أن يعوضك من الغنائم ما هو خير مما كنت تأخـذه من أولئك السكان . وإذا كان ما أضـافـة ابـــن بشر
( 14 )

صحيحاً فإنه من الواضح أن الشيخ قارن بين المصلحـة العامـة للدعـوة في إعتمـادهـا على حمايـة الأميـر محمـد ووقـوفـه معها مسـألة جـزئيـة كان واثقـاً كل الثقـة من حلهـا بسهولة في المستقبل القريب . فكان أن أجـاب بما أجـاب بــه .
ومهمـا إختلفت تفاصيل الروايات حـول الطريقـة التي تم بها اللقـاء بين الشيخ محمـــــــــــد بن عبد الوهـاب والأمير محمـد بن سـعود . وأنهما إتفقـا على أنهمـا تبايعـا على أن يعمـلا في سـبيل الدعـوة الإصـلاحيـة ونشرها بكل ما يسـتطيعان من الوسائل ، وكان ذلك سـنة 1157هـ ( 1744م) وعلى هذا الأسـاس قامت دولـة جـديدة في المنطقـة هي الدولـة السـعوديـة الأولى .
ويشـير بعض المؤلفـين إلى أن الشيخ والأميسر إتفقـا أيضـاً على أن تكون الأمور السياسية في الدولـة الجـديدة لمحمـد بن سـعود وذريتـه . وأن تكون الشـؤون الدينيـة لمحمـد بن عبد الوهـاب ونسله.
ويبدو أن هـؤلاء إسـتنتجـوا ما أشـاروا إليـه من سـير الأحداث فيما بعد . والواقع أنه كان طبيعيـاً أن تستمر القيادة السياسية لآل سـعود لأنهم كانـوا أمـراء الدرعيـة ــ قاعدة الدولـة الجديدة ـ قبـل المبايعـة التي قامت على أسـاسها هذه الدولـة . ووقوفهم مع الشيخ ودعـوتـه قـوى مركزهم وحتم إستمرار قيادتهم .
(3) الدولـة قبل الصراع المسلح مع خصومها : ــ
بعد المبايعـة التي تمت بين الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب والأمير محمـد بن سـعود ، والتي نشأ عنها قيام الدولـة السـعوديـة الأولى . واصل الشيخ جهـوده في سـبيل نشر دعـوته ، وكانت تلك الدعـوة قد إنتشرت بين سكان الدرعيـة ـ كما سبق وأن ذكرــ قبل إنتقالـه إليه . بل إن عـدداً من كبارها قد قاموا بأعمال جليلـة أزالـوا بها ما حـول بلدتهم من أشجـار يتوسل بها الجهـال . ولكن إنتقال الشيخ محمـد إلى الدرعيـة ووقوف أميرها معه زادا من فـرص إيضـاح حقيقـة دعـوته لبقيـة سكانها وتعليمهم مبادئهـا . وقد هـب أنصـاره وتلاميذه لمساعدته في مهمتـه التعليميـة . وكان في مقدمـة هـؤلاء إخـوة الأمير محمـد بن سـعود الثلاثـة : مشـاري وثُنيـان . وفرحـان ، والشيخـان أحمـد بن سـويلم ، وعيسى بن قاسم . ولم تمض مـدة طويلـة على إسـتقراره في وطنــه الجـديد إلا وقد تعـلم السكان أصول دينهم الي تجـب عليهم معرفتهـا .
وما أن إسـتقر الشيخ محمـد في الدرعيـة ، وعلم أنصاره في المنطقـة أنه محمي من قبل أميرهـا محمـد بن سـعود ، حتى أخـذوا يفدون إليـه .



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:54 AM   #4 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




ومن هـؤلاء الأنصـار من إسـتقر عنده ولم يعـد إلى بلده ومنهم من تركـوا بلدانهم نتيجـة لما كانــوا يلاقـونـه من مضايقـة على أيـدي زعمائهم الذيـن لم يـؤيـدوا الدعـوة ، أو لخوفهـم من وقـوع مضـايقـة لهم من أولئـك الزعمـاء .
وكان أولئك الوافـدون من طبقـات إجتماعيـة مختلفــة . فمنهم من كانـوا من أسـر حاكمـة؛ مثل أناس من آل معمر . وربما كانت الحالـة الإقتصاديـة لهـؤلاء حسـنة . ولكن أكثر الوافـدين كانـوا من الفقـراء 0 وما من شـك بأن المجتمع الجـديد كان حريصاً على التعلم ، وإذا كان بعض المحتاجين من الوافـديـن قد وجـدوا أعمالاً مهمـا كانت شـاقـة فإن بعضهم الآأخـر لم يجـدوا أعمالاً على الإنطلاق. وقد شـعر الشيخ بالعطف عليهم . والمسؤوليـة تجـاههـم فكان يسـتلف من القادريـن ليسـاعد أولئك المحتاجيـن .
ولم تكن الأمـور السابقـة تجـري في منأي عن علم سـكان المنطقـة قـادة وإتباعـاً . وحين رأي الأمير عثمـان بن معمــرإزديـاد المنتقلين إلى الدرعيـة من بلدان نجـديـة مختلفـة ، ومن بلدتـه ذاتهـا أدرك أنه قد إرتكب خطـأ فادحـاً في عـدم إبقائـه الشـيخ محمـداً عنـده ، وأن حكم آل سـعود سوف يقوى بدرجـة تجعـل مركـزه ثانويـاً في المنطقـة. وفي محاولـة لعـلاج الموقف ترأس وفـداً من كبار قومـه . وقدم إلى الدرعيـة وعندما قابل الشـيخ محمـداً طلب منه أن يعـود إلـى العـُيينـة مؤكـداً له أنه سـيحميه وينصره . ولكن الشيخ أخبره بأن ذلك الأمــر في يـد الأمير محمـد بن سـعود . وكما كان متوقعـاً رفـض هذا الأمير طـلب عثمـان . وذلك لإقتناعـه أكثر فأكثـر بصحـة الدعـوة ولبعد نظـره ومعرفـته بنتائج وجـود الشـيخ في بلدتــه .
وفي أثنـاء ذلك كان الشـيخ محمـد يكاتب العلماء ورؤسـاء البلدان والقبائل في نجـد لينضموا إلى الدولـة الجـديدة التي قامت على أسـاس دعـوته . وقد أثمرت الجهـود المبذولـة في هـذا الشأن . فإنضم أمراء بعض البلدان إليهـا طـائعين مختارين . ومن هـؤلاء أمراء العـُيينـة وحريمـلاء ومنفوحـة .
وعلى أي حـال فإن القيادة في الدرعيـة رأت ، سـنة 1159هـ أن الوقـت قد حـان للإنتقال إلى مرحلـة جـديدة ينال فيها بالقـوة ما لم ينل بطريقـة الحجـة والإقناع . فقد شـهدت السنتان الأوليان من عمر الدولـة الجـديدة إنتصارات سياسية ومعنويـة كبيرة. ذلك أن عـدة بلدان نجـديـة قد إنضمت إليها . وبهذا تغير ميزان القـوة المحليـة لصالحها . ولقد شـعر أنصارها المتزايدون بالإطمئنان أكثر من ذي قبل . وكان هؤلاء على إسـتعداد لتنفيـذ ما تطلبه منهم قيادتهم ؛ إذ كانوا يرون أن خصومهـا إعداء للإسـلام . والمنطقـة كانت بعيدة عن أي سـلطة مركزية قويـة . ولذلك فإنها ميدان فسيح لتحقيق كثير من النجـاح العسكري قبل أن تمتـد إليها يـد خارجيـة لتحاول القضـاء عليهـا .
(16 )

وإضـافـة إلى ذلك كلـه فإن ما حـدث من مضايقـة لبعض أنصار الدعـوة كان دافعـاً لأن تقوم الدولـة الجـديدة بمهاجمـة الذيـن ألحقـوا أضراراً بهـؤلاء الأنصار . وما دامت الظـروف مهيـأة لإبتداء الصراع المسلح بين الدولـة الجـديدة وخصومهـا فكيف بـدأ ذلك .
يقـول ابن بشـر : " ثم أمر الشيخ بالجهـاد ـ فأول جيش غـزا سـبع ركائب ، فلما ركبوهـا وأعجلت بهم النجـائب في سيرهـا سـقطوا من أكـوارها لأنهم ولم يعتـادوا ركوبهـا . فأغـاروا ، أظنــه على بعض الأعـراب فغنمـوا ورجعـوا .
ويفـيـد بأن الدولـة الجـديدة هي التي أخـذت زمـام المبـادرة في بـدء الحـروب ضـد خصومها وكان هـذا أمـراً متوقعـاً .
ومعروف أن الإبـل كانت وسـيلة المواصلات الأساسـية في نجـد حينذاك ومن المستبعد جـداً وأن يكون جميع أفـراد ذلك الجيش غير معتاديـن على ركوبهـا ـ وقد ذكـر أن أول غـزوة خرجت من الدرعية كان قوامهـا ستة عشر رجلاً على ثمان من الإبل ، وأن الذين قاموا بها رجعـوا دون الحصول على غنائم . ويذكـر بوركهارت أن عـدد الإبل في الغـزوة الأولى كان سبعاً .
أما ابن غـنام ، تلميذ الشيخ محمـد المهتم بذكـر مثل هذه الحادثة ، فلم يشر إليها . بل ذكـر أن دهام بن دواس ، أمير الرياض هـو الذي قام بمهاجمـة بلدة منفوحـة التي سبق وأن إنضمت إلى دولـة الدرعية . فأرسلت قيـادة هذه الدولـة نجـدة لمساعدتها ضـد من هاجمهـا. على أن ابن دواس إضطـر على أي حال إلى الإنسحاب من منفوحـة إلى الرياض بعد أن أصيب بجروح . وبهذه الحادثـة بدأت الحروب والغـزوات .
ولم يكن غريباً أن يهاجم دهام بن دواس بلدة منفوحـة ، وذلك أنه كان يضمر الحقـد لزعمائهـا الذي سبق وأن إنتزعـوا إمارتها من أسرته قبل حـوالي عشرين عاماً من هجومـه عليها ، ثم إن إنضمامهـا إلى الدولـة الجـديد جعل الرياض بين فكي الرحي لوقوعها بين الدرعيـة شـمالاً ومنفوحـة جنوبـاً وأصبح لزامـاً عليه أن يتحرك لإزالـة الخطـر المحـدث به . فرأى مهاجمـة منفوحـة أسهل عليه من مهاجمـة الدرعيـة لكـونهـا أضعف عسكرياً ولقربهـا من بلدتـه مسافـة .
(4) توحيـد نجـــد : ــ
من الواضح أن الشيخ محمـد بن عبد الوهاب رأي منذ بدايـة دعـوته أن مجـال نشاطها منطقـة نجـد . ولعل من أكبر الأدلـة على ذلك ما قاله للأمير عثمان بن معمـر في أول لقـاء بينهما : أني لأرجـو إن قمت بنصر لا إلـه إلا الله يظهـرك الله وتملك نجـداً أو أعرابهـا .
( 17 )

ولقد إستغرق توحيد الدولـة الجـديدة لنجـد أكثـر من أربعين عاماً . ويبدو أن من أسباب ذلك ما تعمق في نفـوس كثيـر من أمراء بلدان المنطقـة ، وزعماء قبائلها ، من نزعـة إسـتقلاليـة محلية وشـعور سلبي تجـاه الوحـدة الإقليميـة .
ويلفت نظـر الباحث أن هناك ثلاثـة مراحل متميزة إلى درجـة كبيرة في الجهـود التي بُذلـت لتوحيد نجـد . بالمرحلـة الأولى من بدايـة الحـرب بين الدولـة الجديدة وخصومها سنة 1159هـ ، إلى بدايـة التدخل الخالدي ضدهـا سـنة 1172هـ . والمرحلـة الثانيـة من هذه السنة الأخيرة إلى إستيلاءها على الرياض سنة 1187هـ . والمرحلـة الثالثـة من ذلك التاريخ إلى إستكمالها توحيـد نجـد في مستهل القرن الثالث عشر الهجـري .
1 ــ المرحلـة الأولى : ــ
كانت جهـود الدولـة في المرحلة الأولى من تحرُكهـا العسكري لتوحيـد نجـد محدودة من حيث القوة ، ومن حيث إتساع المـدى الجغرافي لذلك التحرُك . وكان أشـد خصومها حينذاك دهـام بن دواس ، أمير الرياض ؛ إذ حـدث بينها وبينه سبع عشرة موقعـة. ومع أن زمام المبادرة في أكثر هذه المواقع كان في يدهـا إلا أن ذلك الأمير إستطاع في أحيان قليلـة أن يبدأ بالهجـوم وأن ينقل ميدان المعركـة إلى أراضيها . وحينما أدرك ضعف موقفـه ونجـاح دولـة الدرعيـة في القضاء على مشكلاتها الداخليـة سنة 1167هـ إضطـر إلى مهادنتها ودفـع غرامـة مالية إليها . ولكن تلك الهـدنـة لم تستمر أكثر من سنة واحـدة عاد بعدهـا دهـام إلى نشاطـه العسكري .
ومما يلفت النظـر أن المرحلة الأولى من مراحل توحيد نجـد شـهدت إنضمام بلدان نجـديـة إلى الدولـة الجديد بطريقـة سلمية ؛ وكان في مقدمـة هذه المشكلات قضيـة أمير العُيينـة عثمـان ابن معمـر .
لقد كان عثمان ـ كما ذكر أول أمير نجـدي يناصر دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهاب لتدخل مرحلـة التطبيق في المجـال الديني .
ثم وقع عليه تهـديد من زعيم بني خـالد جعلـه يتخلي عن ذلك الشيخ . وحين أدرك خطأه في موقفـه تجـاهه حاول إعادتـه إلى بلدتـه . ولكنه فشل في مسعاه . ويبدو أنه رجع من الدرعيـة إلى العيينـة . وفي نفسه ما فيها من غيرة سياسية بالنسبة لآل سعود ، وأن تلك الغيرة ظلت تسيطر على مشاعره رغم مسايرته للدولـة الجديدة التي أعلن إنضامه إليها . ففي سنة 1159هـ إشترك مع أهل بلدته متزعمـاً إياهم في الحرب ضـد الرياض. ولكنه في السنة التالية لم يشترك بنفسه في غــزو تلك البلدة.
(18)

وقد أدرك قد يترتب على موقفه من توتُـر في علاقته مع قيادة الدولـة في الدرعيـة ، فوفـد إليها للتفاوض ، ولعل هذه القيادة شـعرت بما يدور في نفسـه من طمـوح ، فرأت أن تحقق له ما يرضي طموحه . وأسـندت إليه القيادة العامـة لجيوش الدولـة كلها . وبدا وكان الأمور قد حـُلت حـلاً موفقـاً ولكن لأحداث لم تجـر وفق ما كان مؤملاً . فمع أن عثمان أصبح يقود جيوش الدولـة ضـد خصومها إلا أنه قام بتصرفات أثارت شكوك قـادة تلك الدولـة في إخـلاصه . ومن هذه التصرفات دعـوته كلاً من دهـام بن دواس والعنقري للإجتماع بـه في العـُيينـة دون علم الشيخ بذلك ، وعدم إقدامـه على دخـول ثرمداء التي كان أكثر مقاتليها خارج أسوارها حين وصل إليهـا غازيـاً . وقد بلغت الشكوك فيه لـدى المتحمسين للدعـوة الإصـلاحيـة من أهـل العـُيينـة حـداً جعلهم يقدمـون على قتلـه سنة 1163هـ .
على أن المشكلات الداخلية للدولـة السعوديـة الناشـئة لم تنتـه بمقتل عثمان بن معمر . وذلك أنه لم يمض على مقتله عام إلا وقد تمـرد أمير بلدة ضرماء على الدولـة . وبدأ يحاربها 0 وفي عام 1165هـ ثارت بلدة حريملاء ثم ثارت بلدة منفوحـة بعد ذلك بسـنة . وكان من أكبر أسباب ثـورة حريملاء ، بالذات ، ما قام به قاضيهـا سليمان بن عبد الوهاب ـ أخـو الشيخ محمـد ـ من نشاط عـدائي ضـد الدعـوة ودولتهـا ولكن قيـادة الدولـة تمكنـت من التغـلُب على تلك المشكلات الداخلية بطريقتها الخاصة وإستطاعت أن تعيد البلدان الثائرة إلى الطـاعـة . وكان نجـاحهـا في هذا المجـال مما زاد من هيبتها في نظـر الآخرين ، ودفـع بلداناً نجـديـة أخرى إلى الإنضمام إليها . ومن حسن حـظ تلك القيادة أنها كانت في تلك المرحلـة التأسيسية المهمـة تواجـه قـوى محليـة مفككـة بصفـة عامـة . وأن نشاطهـا لم يتعرض لأي تدخـل خـارجي .



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:54 AM   #5 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




( ب ) المرحلـة الثانيــة : ــ
كان التدخـل المتوقع حدوثـه ضـد الدولـة الجديدة في نجـد ، محتملاً أن يأتي من حكـام الأحساء ، زعمـاء بني خـالد ، أو من أشراف الحجاز. وذلك بسبب ما كان لهؤلاء وأولئك من نفـوذ في بعض الأقـاليم النجـديـة . ولكن تدخُـل حكام الأحساء كان أكثر إحتمالاً للأسباب الآتيـة : ــ
1ــ أن الأحسـاء أقرب إلى الدرعيـة ، قاعدة الدولـة الجـديدة من الحجـاز .
2ــ أن النفوذ الخـارجي في إقليم العارض قبيل قيام تلك الدولـة كان لحكام الأحسـاء .
3ــ أن حاكم الأحسـاء قد بدأ فعـلاً نشاطـه ضـد الدعـوة قبل تلك الفترة . وذلك بتهـديده عثمان بن معمر ليتخلص من الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب .
4ــ أن العلاقـة بين الزعامـة الخالديـة وإمـارة الدرعيـة كانت سيئـة قبل بدايــة الدولـة السـعوديـة الأولي.
( 19 )

وكان أن حـدث التدخل العسكري من حكام الأحساء قبل التدخل العسكري من أشراف الحجـاز بأكثر من ثلاثـين سنة . على أن التدخل الأحسائي نفسه لم يحدث إلا بعد حوالي ثلاثـة عشر عامـاً من بدء القتال بين الدولـة الجـديدة في نجـد وبين خصوصـها فما أسـباب تأخـر ذلك التدخـل .
كذلك حـدث صـراع بين زعمـاء بني خالـد على القيادة . ومن نتائج ذلك الصراع أن توفي سليمان بن محمـد ، الذي كان وراء إخـراج الشيخ من العـُيينـة ، طريداً في الخـرج سـنة 1166هـ .
وإستمر الصراع بين أولئك الزعمـاء ، وكان الصراع الداخلي كان من أهم الأسـباب في تأخـر تدخل الزعـامـة الخالديـة عسـكرياً ضد دولـة الدرعيـة .
وما أن إستقرت الأمـور لعريعر بن دجين في منطقـة الأحسـاء حتى بدأ يستعـد لغـزو نجـد محاولاً القضـاء على دولتها الناشـئة : وذلك عام 1172هـ ، ولكن قـادة هذه الدولـة علموا بنشاطـه فأعـدُوا للأمر عـدتـه وبنوا سـورين حول الدرعيـة كما عـززوا مواقعهم الأخرى . وحينما وصل الزعيم الخالدي بأتباعـه إلى نجـد إنضم إليه المعارضون لتلك الدولـة ، ثم عجـزت قواتـه الرئيسـية أن تقتحـم بلدة الجبيلـة. وإضطـر إلى الإنسحـاب من نجـد دون تحقيق أي إنتصار .
وكان لفشل الحملـة العسكرية الخالديـة الأولى ضـد الدولـة السعوديـة أثر كبير على سير الأحداث في المنطقـة . فقد أدرك خصوم هذه الدولـة قوتها فأسرع بعضهم إلى مصالحتها ودفـع غرامات مالية إليها . وإلتقي جيشـه بجيش عبد العـزيز بن محمـد في الحائـر الواقعـة جنوب الرياض . وإنتهت المعركـة بهزيمـة كبيرة لجيش عبد العـزيز .
وفي نهايـة ربيع الأول من عام 1179هـ توفي الأمير محمـد بن سـعود ، فخلفـه في الحكم ابنه عبد العـزيز ، الذي كان تلميذاً للشيخ محمـد ، كما كان متمرساً في أمور الدولـة العامـة ، وبارعاً في القيادة العسكريـة .
وقد واصل عبد العـزيـز بن محمـد النشاط العسكري للدولـة يشـاركه أحياناً في تولي الجيش ابنه سعود ولم تأت سنة 1183هـ ونفوذهـا قد تجــاوز وسـط نجـد ، كالوشم وسـدير ، إلى بعض بلدان القصيم . وبعد ذلك بأربـع سـنوات أدرك دهـام بن دواس أنه لا يستطيع الصمود أكثر مما فل : وبخاصة أن العمر تقدم بــه ، وأن ابنيه دواساً وسعدونـاً قتـلا سنة 1185هـ . فهرب من الرياض مع أسرته وعدد غير قلي من أنصـاره .
وبعد هروب دهـام بن دواس ومن معه من الريـاض دخلها عبد العــزيز بن محمـد دون قتـال . فإستولي على ثروات الهاربين وضمها إلى خـزينـة دولتـه .
( 20 )

( ج ) المرحلـة الثالثــة : ــ
وكان إستيلاء عبد العـزيـز بن محمـد على الرياض ذا أهميـة كبيرة في تاريخ الدولـة السعوديـة الأولـى ، وقد عبر ابن غنام عن هذه الأهميـة بتسميته فتحـاً.
ومن نتائجـه أن الدولـة الجـديدة غنمت أموالاً ساعدت في قضـاء ما كان على الشيخ محمـد من ديـون سبق أن إستدانها لمساعدة الفقـراء من أنصاره. وجمع زعيم بني خـالد، عريعر بن دجين ما لديـه من قوات وإتجـه إلى نجـد، على أنه بات يعلم حق العلم أن قاعدة الدولة الدرعية قد أصبحت بعيد المنال بعد الإسـتيلاء على الرياض وكان قد فشل أمام أسوارها قبل أن يترك الميدان دهام بن دواس فإن فشـله أكثر إحتمالاً بعد إنهيار رمز المقاومـة النجديـة . ورأى من الأفضل له أن يهاجم بلداناً سعوديـة نائيـة عن تلك القاعدة لأن نجـاح مهاجمته لها أكثر إحتمالاً . فإن هو حقق نجـاحاً في تلك البلدان أصبح في إمكانـه أن يتقدم إلى قلب الدولـة تقـدُم المنتصر. وكانت بريـدة الجهـة التي إتجـه إليهـا . وقد تمكـن من الإسـتيلاء عليها خدعـة . ثم غـادرها إلى الخابيـة حيث إنهالـت عليه رسائل التأييـد من خصوم آل سـعود النجـديين . ولكن المنيـة وافته هناك . فعادت القـوات الخالديـة إلى الأحسـاء وذلك سنة 1188هـ .
ــ توحيـد جنوبـي نجـد : ــ
كان قادة الدرعيـة قد قاموا ببعض الغزوات على إقليم الخرج قبل إسـتيلائهم على الرياض . وكان من أبرز أمراء ذلك الإقليم زيـد ابن زامل، أمير الدلـم ، الذي وضع يـده في يـد دهـام بن دواس في عـدة مناسـبات .
وكان أول ما قام به السعوديون ضـد زيـد بن زامـل غـزوة قادهـا سعود بن عبد العـزيز سنة 1188هـ ، وفي السنة التاليـة أغـار عبد العـزيز بن محمـد نفسه على الدلم ، وألحـق بها من الخسائر ما دفع زيـد بن زامل إلى البحث عن حليف قـوي يستعين به على دره الخطر المحدق به . وقد رأي أن أنسب من يمكن الإسـتعانـة به رئيس نجـران الذي كان صدي إنتصاره على قوات الدرعيـة في الحائر عام 1178هـ ، لا يزال عالقـاً في الأذهـان .
وإجتمع الحلفاء من نجـران وقبائل يـام والدواسر وغيرهم ، وساروا حتى وصلوا إلى الحائر. ثم إرتحل الحلفاء إلى ضرماء حيث دارت معركـة إضطر بعدهـا أولئك الحلفاء إلى الإنسحاب تاركين وراءهم عـدداً من القتلي ، وذلك سنة 1189هـ .
(21)

وكان من نتائج فشل المتحالفين أن أصبح زيـد بن زامـل في موقف أكثر حرجـاً من ذي قبل فإضطر إلى أن يفـد إلى الدرعيـة معلنـاً ولاءه لقادتهـا ، وذلك أنه قام بتصرفات جعلت عبد العـزيز بن محمـد يجهـز جيشـاً ضـده ، ومن أن إقترب ذلك الجيش من الدلم حتى هـرب منها زيـد . فدخلهـا الجيش السعودي وعين قائده أميراً لهـا من قبله . على أن زيـد بن زامـل ما لبث أن عـاد إلى بلدتـه بمساعدة قسم كبير من أهلهـا .
قـام سـعود بن عبد العـزيز في سنة 1199هـ بحملـة إلى الدلم فإستولى عليها . وجعل إمارتها لسليمان بن عُفيصان ، الذي أصبح من أعظم القـادة العسكريين في الدولـة السـعوديـة الأولى .
وقد واكب النجـاح السعودي في إقليم الخـرج نجـاح آخر في الجهـات الواقعـة جنوبـاً عنه كحوطـة بني تميم والحريق. وهكذا شمل الحكم السعودي كل جنوبي نجـد في مستهل القرن الثالث عشر الهجري.



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:55 AM   #6 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




توحيــد شــمالي نجـد : ــ
كانت بريـدة أول بلدة من بلدان القصيم تعلن ولاءهـا لقادة الدرعيـة ؛ وذلك سنة 1182هـ ـ وفي عام 1188هـ إسـتولي زعيم بني خـالد ، عريعر بن دجين على بريـدة . ثم إرتحل منها إلى الخابية ، حيث وافته المنيـة .
ولم يكن متوقعاً أن يقف قـادة الدرعيـة مكتوفي الأيدي تجـاه ما حـدث في بريـدة . ولهذا قـاد سـعود بن عبد العـزيـز جيشـاً سنة 1189هـ ، وهاجم به تلك البلدة ولكنه لم يوفق في الإسـتيلاء عليها وكان من نتيجـة ذلك أن أعلنت بلدان القصيم الولاء للدولـة السعوديـة . ثم إضطر أكثر الثائرين من أهل القصيم إلى إعـلان ولائهم للدولة السعوديـة من جـديد ولكن بلدة عنيزة لم تخضـع خضوعاً تامـاً لتلك الدولـة إلا سنة 1202هـ .
ولقد كان لحجيلان بن حمـد دور كبير في تثبيت الحكم السـعودي في القصيم ، وكان مما قام به هناك أن رصـد في بقعـاء لقافلـة تجاريـة قادمـة من العراق ، وقتل عـدداً من رجالها وأخـذ ما كان معها من بضائع لأهل الجبل . وكانا من الأمور التي جعلت غـزو جحيلان لتلك الجهـة بعد حملته الأولى بسنة يؤدي ثماره المرجـوة وذلك أنه لم يعد من هناك إلا وقد دخل إقليم جبل شـمر تحت طـاعة آل سعود.
وهكذا أصبح شمالي نجـد جـزءاً من الدولـة السعوديـة في مستهل القرن الثالث عشر الهجري مثلمـا أصبح جنوبهـا وإنصهرت جميـع البلدان والأقـاليم النجـديـة في بوتقــــة دولـة واحـدة ، وقــــد بدأ
(22)

نشاطهم بغـارة قادهـا أمير جبل شـمر ، محمـد بن عبد المحسن بن علـي ، على فئـات من قبيلـة الشرارات حول دومـة الجـندل منطقـة الجـوف حاليـاً .
( 5 ) الدولـة السـعوديـة والقبائل في نجـد : ــ
لم تكن الجهود التي بذلتها الدولـة السعوديـة الأولى لتوحيد نجـد مقصورة على حاضرة هذه المنطقة ولكن كانت شـاملة للحاضرة والباديـة على حـد سواء .
وكان كثيراً من القبائل في نجـد لم تخضع للدولـة السعوديـة إقتناعاً بالدعـوة التي قامت على أساسها تلك الدولـة أو إعجابـاً بما ترمي إليه من توحيـد سياسي للمنطقـة ، وإنما خضعت لها لشعورها بالضعف أمام هجماتها المفاجئـة في أغلب الأحيـان ، وكان لهذا أثره في المستقبل. إذ إن هذه القبائل ما إن رأت ضعف موقف الدولـة السعوديـة أمام الغـزو المصر العثماني حتى رمت بثقلهـا مع الغـزاة .
وما إن تمكنت هذه الدولـة من توحيـد بلدان نجـد حتى إضطرت جميع القبائل الموجـودة فيها إلى إعلان الولاء لها . أما القبائل التي لم تحبذ التبعيـة لها فقد غادرت المنطقـة وممن نـزح عن نجـد فئـات من قبيلتي شـمر والظفيـر .
إتسـاع الدولـة السـعوديـة خـارج نجـد : ــ
(1)شــرقي البـلاد : ــ
إتخـذ زعمـاء بني خـالد ، حكام الأحساء موقفاً عدائياً من دعوة الشيخ محمـد بن عبد الوهاب وقادة الدرعيـة قبل قيام الدولـة السعوديـة الأولى ، فقد هاجم الزعيم الخـالدي سعدون بن محمـد بن غُريـر الدرعيـة سنة 1133هـ ـ وفي عام 1198هـ بدأ قـادة الدرعيـة جهودهم للإستيلاء على الأحساء . ومن أعظم دوافعهم إلى إدخـال تلك المنطقـة تحت نفوذهـم .
( أ) أن حكام الأحسـاء ناصبوا الدولـة السعوديـة العداء فترة طويلـة وقاموا بغـزوها مـرة تلو أخري .
(ب) رغبــة قادة تلك الدولـة في نشر الدعـوة الإصلاحيـة التي آمنوا بها ؛ وبخاصـة أن شـرقي الجزيـرة العربيـة كانت توجـد فيه بعض المذاهـب التي لا تتفق مع مبادئ الدعـوة المذكـورة .
(ج) الشـعور الطبيعي لـدى قادة كل دولـة فتيـة تعتقـد أنها قادرة على توسيع نفـوذهـا .
(د ) الأهميـة الإقتصاديـة للمنطقـة الشرقيـة من الجزيرة العربية سواء بالنسبة لثروتها الزراعيـة أو بالنسـبة لموقعها على الخليج بما في ذلك من موانـئ تجـاريـة وفرص عمل في المجال البحري
(23 )

(هـ ) أن المنطقـة كانت حينذاك مستقلة عن الدولـة العثمانيـة التي كان القادة السعوديون يتحاشون الصدام معها في تلك الفترة ، وكان أولئك القـادة يدركون هذا الوضع غايـة الإدراك بدليل ما ذكره سـعود بن عبد العـزيز في رده على رسـالة علي باشـا مساعد والي بغداد ، حينما قام بحملـته على تلك المنطقـة سنة 1213هـ .
وكانت أول غـزوة يوجههـا آل سـعود للإسـتيلاء على الأحسـاء تلك التي قادهـا سعود بن عبد العـزيـز سنة 1198هـ ، ونجـح في كسب كثيـر من المواشي والأمتعـة .
ولقد تردد عبد العـزيـز بن محمـد في إيوائـه خوفـاً من أن تسـوء العلاقـة بين دولتـه ورئيس قبيلــة المنتفق . ولكنه أواه في نهايـة الأميـر بمشورة من الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب.
وفي سـنة 1202هـ وصلت القوات السعوديـة إلى الأحساء بقيـادة سليمان بن عفيصان مرتين هاجم في الأولى منهما قريـة الجشـية . وهاجم في الثانيـة ميناء الـعُقيـر .
وفي السنة التالية توجـه سعود ابن عبد العـزيـز بقوتـه إلى الأحساء حيث وصل إلى البلدة المـُبرز ، ثم تركها بعد مناوشات قصيرة ، وإتجـه إلى قريـة الفُضـول فإتخـذ ضدهـا إجراءات قاسية جـداً ثم عـاد إلى الدرعيـة .
وفي عام 1204هـ توجـه سـعود بن عبد العـزيز بقـوات كبيرة إلى المنطقـة الشرقيـة لمحاربـة قبيلـة بني خـالد ، وكان معه زيـد بن عريمـر ، وحين تقابل مع القوات الخالديـة هـزمهـا ، وعـين زيـداً قائـداً لتلك القبيلـة بعد أن فـر أخـوه دويحس وخـاله عبد المحسن.
ولعل مما يوضح ذلك أن سـعود بن عبد العـزيـز قام بغـزو المنطقـة المذكـورة سـنة 1206هـ ، حيث هاجـم القطيف ، وأنزل بها خسائر فادحـة .
وحين رجـع عبد المحسن من المنتفق غـدر به زيـد وقتلـه . وغضـبت القبيلـة وقد هـب سـعود بن عبد العـزيـز لمحاربـة بني خـالد ، وإلتقي ببراك ومن معه فهـزمهم هزيمـة عظيمـة وهرب براك إلى المنتفـق .
وكان من نتائج المعركـة السابقة أن أدرك أهل الأحسـاء ما تنطـوي عليه معارضة سـعود من أخطـار . وحين إقترب من بلدانهم طـلبوا منه الأمـان، وأعلنوا ولاءهم له . غير أنهم ثـاروا بعد مغادرتــه مديـر بيت المـال والمرشـدين الذين تركهم هناك لوعظ السكان وتعليمهم أصول الدين وفق ما نادي به الشـيخ محمـد بن عبد الوهـاب . ثم قـدم زيـد بن عريمـر إليهـم ، وتولي قيادتهـم ضـد الحكـم السـعودي .
( 24 )

ولما تمكن من إجبـار زيـد بن عريمـر ومن معه على مغادرة المنطقـة، والإسـتيلاء عليها ، وهكذا أصبحــت الأحســاء جـــزءاً من الدولـة الســـعوديـة . وذلك سـنة 1208هـ وأصبح بــراك بن عبد المحسن واليـاً عليها من قبل تلك الدولـة .
وإسـتنجد الموالون لآل سـعود في المُبـرز بقادة الدرعيـة ، فبعثوا إليهم نجـدة مع إبراهيم بن عفيصان . ثم إتجـه إلى المنطقـة سـعود بن عبد العـزيز ومعه قوات كبيرة وإتخـذ ضـد الثائرين إجراءات صارمــة .
(2) الحجــاز : ــ
كان لإشراف مكـة ـ كما سبق أن ذكر ـ نفـوذ في بعض الأقـاليم النجديـة قبل قيام الدولـة السعوديـة الأولي ـ ولكنه كان يضعف تدريجيـاً لتلاشي قـوة الدولـة العثمانيـة . التي يتبع أولئك الأشراف لها من الناحيـة الرسـمية ، في جـزيرة العرب ، ومنافسـة النفـوذ الخـالدي له . وكان من الطبيعي أن يهتم أولئك الأشراف بظهـور دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب فينجـد ، ثم بقيام الدولـة السعوديـة على أساسـها .
وتختلف المصادر حول الطريقـة التي وصلت بها أخبـار الدعـوة الإصلاحيـة النجديـة إلى الحجـاز. وقد أرسل ثلاثـين عالمـاً إلى مكـة في عهـد الشريف مسـعود بن سـعيد وحين باحثهم علماء هذه المدينة الذين كانـوا قد سـمعوا بظهـور ابن عبد الوهاب تحققـوا جهلهم . وبعد إقامـة الدليل عليهم كفـرهم قاضي الشرع وحبسـوا. ثم منعهـم أشراف الحجـاز بعد ذلك من الحـج .
وواضح من روايـة عـُزي أن معلومات شريف مكـة عن دعـوة الشيخ محمـد مبنيـة على السماع، وفي روايـة دحـلان أيضاً ما يؤيـد ذلك . ولقد أشـار ابن غنام إلى ما قام بـه بعض العلمـاء النجـديين المعارضين لدعـوة الشيخ من تشـويه لحقيقتها في الحجـاز. ولذلك فإنه من المرجح أن تلك الدعوة قد وصلت إلى الأشراف ، أول الأمـر مشـوهـة عن طريق خصومهـا في نجـد .
وروايـة عــزي تفيـد، أيضاً ، أن الذين سجنهم شريف مكـة لم يكونوا وفـداً من العلماء ، وهذا ما تؤيـده روايـة ابن بشر من أن ذلك الشريف سـجن حجـاج نجـد سنة 1162هـ . وهذا المؤرخ النجدي يقصد بطبيعـة الحال أن المسجونين كانوا من إتباع الشيخ محمـد ابن عبد الوهـاب ومن المحتمل أنه كان من بين أولئك الأتباع من دفعتهم حماستهم للدعـوة إلى الجهـر بمبادئها في موسم الحـج ولعلهم كانوا غير مؤهلين من الناحيـة العلميـة لإزالـة الصورة القاتمـة التي سبق وأن بثها في الحجـاز معارضوا الدعوة من النجـديين فلم يكن غريباً إذا أن يتخذ الشريف حيالهم ما إتخـذ من إجراءات ظـالمـة .
( 25 )

وتتفق المصادر على أن الشريف مسعود بن سـعيد منع أنصار دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهاب من أداء الـحج . وموقفـه هذا موقف عـدائي واضح .
ولما تولي شرافـة مكـة أحمـد بن سـعيد سـنة 1184هـ ، تحسنت العلاقـات بينه وبين قادة الدرعية ؛ إذا طلب منهم بعد توليه بسنة إن يبعثوا عالمـاً من علمائهم يبين لعلماء مكـة حقيقـة ما يدعون إليه . فأرسـلوا إلى هناك الشيخ عبد العـزيز الحُصين. وتناقش هذا الشيخ مع أولئك العلماء حول مسائل مهمـة من أصول الدعـوة ثم عـاد إلى الدرعيـة معـززاً مكرماً .
وعلى أي حال فإن عمر العلاقـات الحسنة بين الدرعيـة ومكـة كان قصيراً جداً ، ذلك أنه لم يمض عام واحـد على وفادة الحُصـين إلا وقد أبعد الشريف أحمـد عن الحكم. وحـل محلـه ابن أخيه . وكانوا يرون فيما يبدو أن منع أتباعها من الحج سيقوى معارضيها المحليين من الناحيـة المعنويـة . ثم إن تلك الدولـة قد ظهـرت أول ما ظهـرت في إقليم العارض الذي كان النفوذ الخـالدي فيه بارزاً قبيل ظهـورها.
وكانت أول حملـة عسكريـة جهزهـا الشريف غالب ضـد الدولـة السعوديـة بقيادة أخيه عبد العـزيـز وقد وصلت هذه الحملـة إلى السر؛ فخرج الشريف غالب من مكـة بتعزيزات لهـا .
وحينما تقابلت القوات الستعوديـة مع قوات الإشراف في الجمانيـة كان النصر العظيـم حليف السعوديين الذيـن غنموا غنائم كبيرة جـداً. وفـر الشريف ناصر ومن معه عائديـن إلى الحجـاز .
وكانت معركـة الجمانيـة من المعارك الفاصلـة بين أشراف الحجـاز والدولـة السعوديـة الأولى . ذلك أنها مهـدت الطريق أمام قـوات هذه الدولـة لتتوغـل في الأراضي الحجازيـة . وجعلت موقف الأشراف يتغير من الهجـوم إلى الدفـاع . ولعـل هذا كان من أهم الأسـباب التي جعلت الشريف غالباً يطلب من الإمـام عبد العـزيـز إرسـال علماء لمناقشة الأمـور الدينيـة . فإستجاب الإمام وأرسل وفـداً برائاسـة الشيخ حمـد بن ناصر بن معمر على أنه لم ينتج عن هذا الإتصال أي تقارب أو تصالح سياسي .
وكانت سنة 1212هـ من السنوات الحرجـة بالنسبة للشريف غالب في مجابهته للسعوديين ؛ ذلك أن ابن ربيعان رئيس أحـد فرعي قبيلـة عتيبـة الكبيرين ، خرج عن طاعته وإنضم إلى الدولـة السعوديـة وفعل مثل فعله رؤسـاء البـُقـُوم ثم تـلا هـذين الحـدثين المهمين أن تكبـد الشريف نفسه هزيمـة ساحقـة في الخـُرمـة على أيدي القبائل التابعـة لتلك الدولـة ؛ إذ قتل من جيشـه أكثـر من ألف رجل بينهم عدد من الإشراف . وكان في طليعـة القبائل السـعوديـة المذكـورة قحطـان والدواسر وبالإضافـة إلى ذلك فقد شـهد مطلع تلك السنة فشل الحملة العراقيـة العثمانيـة على السعوديين ومقتل قائدهـا ثوينـي بن عبد الله . وبعد ذلك بقليل توغل سـعود بن عبد العـزيـز داخل الأراضي العراقيـة نجـاحـاً
( 26 )

كبيراً. وفي سـنة 1213هـ إسـتولي نابليون على مصر وإنتشرت إشـاعات بأنه سيحاول الإسـتلاء على الحجـاز . وكان على الشريف غالب أن يتخـذ جـانب الحيطـة والحـذر ويعمل على تحصين جـدة وهـذا أمر يتطلب جهـداً وأمـوالاً.
وهكـذا أدرك الشريف غالب أنه غير قادر على الصمود أمام الدولـة السعوديـة ناهيك عن مهاجمتها ، فجنح إلى الصلح وجرت إتصالات بينـه وبين قادتها نتج عنها إتفاق بين الطرفين على تحـديد القبائل التابعـة لكل منهما والدخـول في هـدنـة مدتها سـتة أعوام على يسمح للسعوديين بالحـج . وكان ذلك الإتفاق في جمـادي الأول سنة 1213هـ .
ومهما كانت الأسباب وراء تغييـر عثمان المضايفي لموقفـه من الشـريف فإن ذلك الحـدث كان كسباً عظيمـاً للسـعوديين . ذلك أن عثمـان قريب من غالب وعلى علم بجوانب ضعفـه العسكري .
وبينما كانت الحوادث تسير لصالح آل سعود في نزاعهم مع الشريف غالب إنضمت إليهم منطقـة عسير، وبرز فيها الزعيـم عبد الوهاب أبو نقطـة متحمساً للدعـوة الإصلاحيـة. وحينما علـم سـعود بن عبد العـزيـز بما جـرى في الحجـاز بين الشريف غالـب وعثمان المضايفي ومن إنضم إليه توجـه بقوات كبيـرة إلى هناك .
وقد أدركـوا قوة سـعود وأتباعـه ورأوا ألا يعرضـوا أتباعهم للخطـر فلم يساعدوه وبعد أن غادروا مكـة المكرمـة إنسحب منها الشريف غالب إلى جـدة تاركاً أخـاه عبد المعين أميراً للبلدة المقدسـة. وأدرك عبد المعيـن حـرج موقفـه فأرسل إلى سعود بن عبد العـزيز يعـرض ولاءه على أن يبقي أميراً لمكـة . فوافـق سـعود على ذلك ودخل البلدة دون قتال في الثامن من شهر المحرم سنة 1218هـ . وهـكذا أصبحـت مكـة المكرمـة تحت حكـم الدولـة السعوديـة الأولي .
وقد حدثت بدايـة إنتشار الدعـوة الإصلاحيـة في المخلاف السليماني حدثت سنة 1215هـ على يـدي أحمـد بن حسين الفلقي من صبيا ، وعـرار بن شـار أمير بني شـُعبـة. وكان الفلقي قـد إلتقي بأتباع الدعـوة في موسم الحـج سـنة 1214هـ وأعجـب بما سـمعه منهم ، ثم وفـد إلى الدرعيـة لمعرفـة المزيـــد عن تلك الدعـوة والإتصال بزعمـاء دولتها. وقد عينـه الإمام عبد العـزيـز بن محمـد داعيـة في بلاده ، وأرسل معه رسالة إلى رؤسـاء المخـلاف وأهاليـه يحـثُهـم فيها على التعـاون معه لنشـر الدعـوة الإصلاحيـة. وإنتشرت هذه الدعـوة بسرعـة بين السكان.
وعندمـا آل إليـه الأمـر كان النفـوذ السـعودي قد شمل جـزءاً كبيراً من المخـلاف . فبدأ بمقاومـة ذلك النفوذ ومحـاربـة أنصار الدعـوة حـتى أضعفهـم .



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:56 AM   #7 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




وكانت الأمـور حينذاك قد إستقرت للدولـة السـعوديـة في منطقـة عسـير . فهبـت تلك الدولـة ، وأرسلت إلى أنصارها في المخـلاف نجـدات عسيريـة بقيادة عبد الوهـاب أبي نقطـة . وحينما أدرك الشريف حمـود ضعف موقفـه طلب النجـدة من إمام صنعاء ولكن هذا الإمـام فضـل ألا يتدخل في الصراع الدائـر في المخلاف لضعف جبهتـه الداخلية من ناحيـة ولعلمـه بقـوة الدولـة السعوديـة من ناحيـة أخرى.
لذلك أعلن حاكم أبي عريش طـاعته لهذه الدولـة وتمسـكه بالمبادئ التي قامت عليها وقد أبقاه قادتهـا في الإمـارة ولكنهـم ربطـوه إدارياً بأمير عســير وتهامـة عبد الوهـاب أبي نقطـة .
(4) جهـات الخليـج وعمـان : ـ
( أ ) قطــر : ــ
بدأت غـارات السعوديين على قطـر سنة 1203هـ وذلك قبل أن يستولوا على منطقـة الأحساء . وكانت أهم بلدة قطريـة حينذاك الزبـارة مقر آل خليفـة. وبعد أن أستتب الأمـر لآل سعود في المنطقـة الشرقية ـ تمكنوا من الإسـتيلاء على قطـر، وإضطر حكامها المعارضون لهم إلى مغادرتهـا والتوجـه إلى البحريـن حيث القسم الآخـر من إمارتهم ، وبذلك أصبحت قطـر جـزءاً من الدولـة السعوديـة الأولي .
(ب ) البحريـن : ــ
أما البحرين فإن سلطان عمان غزاهـا سنة 1216هـ وأستطاع أن يستولي عليها . فهرب إلى خليفـة منهـا عائديـن إلى الزيارة . وبعد ذلك تمكنوا بمساعدة الدولـة السعوديـة من إبعاد العمانيين عن البحريـن. ولكن السعوديين أصبح لهم نفوذ كبير فيها . ثم حدثت مشكلات بين آل خليفـة وآل سعود ودارت بينهما مفاوضات نتج عنهـا عـودة السلطـة الحقيقيـة في تلك البـلاد إلى حكامهـا من آل خليفـة .
( ج ) الكويــت : ــ
وأما الكويت فقد أصبحت مهمـة من الناحية التجارية ، وبخاصة بعد إحتلال الفرس للبصرة بين عامي 1190 ، 1193هـ . وذلك أن بعض تجـار هذه المدينـة المحتلـة هاجـروا إلى الكويت . كما إنتقل إليهتا مـركـز ممثل شـركـة الهند الشرقيـة البريطانيـة في المنطقـة . ولعل إيواءهـا لزعمـاء بني خالـد المعادين لآل سـعود كان سـبباً لغـزو السـعوديين لها سنة 1208هـ . وفي عام 1212هـ تعـاون الكويتيون مع حملـة ثويـني بن عبد الله الموجهـة ضـد السـعوديين فكان ذلك سـبباً فيما يبدو لإرسال السـعوديين سـريـة ضـد الكويت . ولكن الكويت لم تنضم إلى الدولـة السعوديـة ولم تدخل تحـت حكمهـا مثل دخـول قطـر .
( 28 )

ــ أوج إتسـاع الدولـة السعوديـة : ــ
بعد أن أكملت الدولـة السعوديـة الأولى توحيـد منطقـة نجـد في مستهل القرن الثالث عشر الهجري بدأت تتسع في كل إتجـاه. وكان النصر حليفهـا في أكثر خطـواتها التوحيديـة حتى بلغـت ما بلغته من إتساع . فمن الشرق دخل تحت حكمهـا شـرقي الجزيـرة العربيـة الأحسـاء والقطيف وقطـر . وأصبح لها نـوع من النفـوذ القـوي فترة في البحريـن . ومن الناحيـة الجنوبيـة الشرقيـة دخلت تحت حكمهـا كثير من الجهـات التي تكونت منها في العصر الحديث دولـة الإمـارات العربية المتحدة ، كما دخلت أجزاء من أراضي سـلطنة عُمـان وبخاصـة غير الساحليـة . ومن الغرب أصبحت الحجـاز كلها منطقـة سـعوديـة . أما من الناحيـة الجنوبيـة الغربيـة فقد إنضمت إليهـا منطقـة عسير ثم تبعتها منطقـة المخـلاف السليماني. كما أدخلت تحت نفوذهـا أجزاء كبيرة من أراضي إمام اليمن وبلدانـه المهمـة . وبخاصـة الساحلية . وبد إزداد توغلهـا في الساحل اليمني حتى أوشـكت أن تسـتولي على عـدن . ومن الجنوب إمتدت رقعتها حتى الربـع الخـالي . بل إن غـاراتها وصلت إلى مشارف حضرموت وأما من ناحيـة الشمال فقد أدخلت تحت طـاعتها جميـع أجـزاء الجـزيرة العربيـة الشمالية . ومـدت لها نوعـاً من النفـوذ في أماكـن من العراق والشـام تمثل في دفـع القبائل هناك الزكـاة إليهـا .
وهـكذا توحـدت منظم مناطـق الجـزيرة العربيـة في دولـة لم يـُر لها مثيل من قبل بإسـتثناء فترة قصيـرة من فجـر التاريـخ الإسـلامي .
علاقـات الدولـة السـعوديـة الأولى مع الدول الأخـري

1ــ علاقتها بالدولـة العثمانيــة : ــ
سـبق الحديث عن الدولـة السعوديـة الأولى بإشراف الحجـاز التابعين من الناحيـة الرسمي للدولـة العثمانيـة ، ولكن الحجـاز وإن تبعـت رسميا للعثمانييـن ، وكان لها وضع خـاص يختلف عن أوضاع الولايات العثمانيـة التي كانت تـُحكم حكماً مباشراً من قبل ولاة أو باشوات عثمانيين كانـوا ـ إلا من نـدر منهم ـ أتراكاً ـ وهنا سوف تُنـاقش علاقـة الدولـة السعوديـة مع الدولـة العثمانيـة ممثلـة في كل من باشـا بغداد وباشا دمشق ، أما علاقـة الدولـة السـعوديـة بحاكم مصـر العثماني فسوف يُتكلم عنها بإنفـراد فيما بعد ، وذلك لما ترتب على أعمال ذلك الحاكم ضـد هذه الدولـة من نتائـج خطيـرة .
( أ ) الدولـة السـعوديـة والعـراق : ــ
كانت البصرة البلدة التي قضي فيها الشيخ محمـد بن عبد الوهاب أطول مـدة في أسفاره العلمية خارج مسقط رأسه . وكانت البلدة التي بدأ فيها الجهر بمعارضة ما كان يـراه مخالفاً للديـن القويم . ثـــــم
(29)

إضطر نتيجـة لذلك إلى مغادرتها وحينما بدأت دعـوتـه في نجـد كان من بين من كتبوا ردوداً على مبادئهـا أناس من البصـرة . ولم تكن العراق بصفـة عامـة في منأي عمـا كان يجري داخل نجـد عبر مراحل توحيـد الدولـة السـعوديـة لها . ومن ذلك أن بعض معارضي تلك الدولـة من النجـديين نزحـوا إلى الزبير وغيرهـا من البلدان العراقية . وظلت العراق مأوي لمن لم يريدوا أن يدخلوا تحت الحكم السـعودي بعد توحيـد نجـد .
على أن الإحتكاك بين الدولـة السـعوديـة الأولى والسلطات العثمانيـة في العراق بدأ نتيجـة للأعمال العسكرية التي كانت تـدور بين السـعوديين وزعماء بني خـالد في مرحلـة الهجـوم السعودي على الإحساء . وقد بدأت الإشتباكات بين الطرفين عن طريق قبيلـة المنتفق ، التي كانت مضاربها في جنوبي العراق . ففي عام 1200هـ ثـار بعض زعماء بني خـالد على سعدون بن عريعـر بمساعدة ثُـويني ابن عبد الله رئيس تلك القبيلـة العراقية . وهـُزم سـعدون، فلجأ إلى الدرعيـة وفي تلك السنة هاجـم أمير بريـدة حجيـلان بن حمـد . قافلـة تجـاريـة قادمـة من العراق إلى جبـل شـمر ، وقتل بعض رجالها وأخـذ ما معها من أموال لأهـل الجبل .
نهايـة الدولـة السـعوديـة الأولـي : ــ
سبق وأن ذُكـر بأن الدولـة العثمانيـة رأت في خـروج الحجـاز عن دائرة نفوذهـا ضربـة معنويـة موجهـة لهيبتها في العالم الإسـلامي . وأنهـا عقـدت العـزم على إنتزاع تلك المنطقـة من آل سـعود والقضاء على دولتهم التي لم تقتصر على بسـط حكمهـا على أكثر مناطق الجـزيرة العربيـة . وإنما بلغـت طـلائع قواتهـا المتحفـزة أماكـن عـدة في كل من العـراق والشام . وكانت تجـربـة العثمانيين في محـاربـة السـعوديين عن طريق باشـوية بغداد قد باءت بالفشـل قبل بـلوغ الدولـة السـعوديـة المستوي الذي بلغته بعد دخـول الحجـاز وعسـير والمخـلاف السليماني تحت حكمهـا . وكان آخـر وال رأى السلطان العثماني أن يكل إليـه محاربـة الدولـة السـعوديـة هو محمـد علي باشا حاكـم مصر .
وتشـير المصادر إلى أن أول أمـر من الدولـة العثمانيـة لمحمـد علي بغـزو السـعودييـن كان عام 1222هـ ـ وغير أن الغـزو لم يبدأ إلا بعد أربع سـنوات من ذلك التاريخ . فقد رأي حاكم مصر ضرورة الإعداد الجيـد للحملـة العسكريـة التي سـيقوم بها لأن مستقبله في الحكم سيتأثر ، بدرجـة كبيرة ، بنجاحـه أو فشـله في تلك الحملـة. ومن الخطوات التي قام بها في هذا المجال بناء أسطول مكون من ثمان وعشرين سفينة ومستودعات للأرزاق في السويس ، والإتصال بالشريف غالب ليرتب معه ما ينبغي إتخـاذه من إجراءات .
(30 )

وبعد أن إطمأن محمـد علي إلى وضعه الداخلي ، وإستكمل الترتيبات اللازمـة للحملة ، إنطلق بها ابنه طوسون عام 1226هـ ، ووصلت الحملـة براً وبحـراً إلى ينبع . وكان عـدد أفرادهـا ثمانيـة آلاف مقاتل . وحين وصلت إلى البلدة الحجازيـة المشار إليها اسـتولت عليها دون عناء ثم زحـف طوسون من ينبع صوب المدينـة المنورة ؛ متخـذاً إغـراء القبائل الموجـودة في المنطقـة بالهدايـا والأموال وسيلة لتمهيـد الطـريق أمام قواتــه . وأسـتولى على بـدر بسـهولـة ، غير أنه حينما إشـتبك مع القوات السـعوديـة الكبيرة بقيـادة عبد الله بن سـعود في وادي الصفراء تكبـد هزيمـة ساحقـة وفـر مع من نجـا من جيشـه عائـداً إلي ينبع . ومن حسـن حظـه أن السـعوديين لم يتعقبوا فلول قواتـه المنهزمـة ويقضوا عليهــا .
وبعد عـودة طوسون إلى ينبع إنتظـر حتى قدمـت إليه تعزيزات جـديدة من مصر ، كما وصلت إليه مبالغ كبيرة لتوزيعها على رجـال القبائل ، وقد نجـح في إستمالة بعض رؤسـاء قبيلتي حـرب وجهينـة الذين كانوا في الجهـات المحيطـة بوادي الصفراء . وكانت القوات السـعوديـة قد إنسحبت من تلك الجهـات بعد إنتصارها العظيـم على طوسون؛ معتقـدة فيما يبدو أن الحاميـة التي تركتها في المدينـة المنورة كافيـة لـدرء الخطـر عنها . وهـكذا بإجتذاب بعض فئات القبائل ، وخـلو الطريق نسبياً من المدافعين السـعوديين ، ثم وصل طـوسون إلى المدينـة المنورة وحاصرها وقد إستعمل في حصارها المدافع والمتفجرات . ومن سوء حـظ الحامية السعوديـة الموجود فيهاأن سكان المدينة كانـوا بصفة عامة ، لا يكنون مـودة لقـادة الدرعيـة ، بل إنهم كانوا يضمرون كرهـاً لهم . ولذلك تعاونـوا مع الجيش الغـازي ضـد رجـال الحاميـة السعوديـة حتى أصبحت في موقف حـرج وإنتشر المرض بين أفرادهـا وإضطرت إلى الإسـتسلام في ذي القعدة سـنة 1227هـ .
وكان لإسـتيلاء طوسون على المدينة المنورة أثر كبير في رفـع معنويتـه، وبث الحماسـة والثقـة في نفوس أفراد جيشـه ، وزيادة المنضمين إليه من رجـال القبائل، مما فتح الطريق أمامـه للتوغـل في بقيـة الحجـاز. وبالإتفـاق السري مع الشريف غالب توجـه بقواتـه إلى جـدة ، ودخلهـا دون مقاومـة . ثم إتجـه إلى مكـة المكرمـة ودخلهـا بمساعدة الشريف غالب بعد أن تركتها الحاميـة السعوديـة بأمر من عبد الله بن سـعود الذي كان معسـكراً خـارج البلدة .
وهكذا دخلت المـدن الحجازيـة الكبيرة تحت نفـوذ طوسـون، وحققت الدولـة العثمانيـة الهـدف الأساسي من أهدافها بإستعادة الحرمين الشريفيـن من السـعوديين . ولقد شجع طوسون ما أحـرزه مــن
( 31 )

نجـاح في الحجـاز على محاولـة ضم مناطـق أخـرى توسيعاً لنفـوذه ، ومحافظـة على ما إسـتولي عليـه ، ولذا بعث ثـلاث مئـة رجـل إلى الحناكيـة ليكونوا طليعـة لجيشـه صـوب نجـد . ثم بعث فرقـة من جيشـه إلى تـُربـة للإســتيلاء عليها ــ فماذا عمل السـعوديون ؟
وكانت وفاة الإمام سـعود بن عبد العـزيز سنة 1229هـ ، من الأمـور التي أضعفت الجبهـة السعوديـة نوعـاً مـا . ذلك أن إبنه عبد الله الذي خلفـه في الحكم لم يكن مثلـه صرامـة وسـدادةراي ؛ وبخاصـة في الأمـور العسكريـة ولم يكن مثلـه ، أو قريبـاً منه ، في هيبـة القبائل له . ومع ذلك فإن القوات السعوديـة كـبدت قوات محمـد علـى هزيمـة كبيرة بعد وفاة الإمام سـعود بقليل ، على أن الوضع سرعان ما تغيـر لصالح حاكـم مصر. وحينما تقابل سـنة 1230هـ مع السـعوديين في بسل إنتصر عليهم ، فتحرك بقواتـه حتى إسـتولي على رنيـة وبيشـة وتـُربـة ، كمـا إسـتولى على مناطـق أخرى من عسير وتهـامـة .
وبينما كانت العمليات العسكريـة تـدور في منطقـة عسير بين قــوات محمـد على والقوات السعوديـة كان طوسون يتقدم في غربي نجـد حتى وصل إلى القصيم. وكان الإمـام عبد الله بن سـعود على علم بتحركاتـه، فإتجـه إلى تلك المنطقـة لصده عنها . وهناك حدثت مناوشات بين الطرفين . وبدا لكل منهمـا أنه لن يحـقق إنتصاراً على الآخـر. ولذلك مالا إلى الصلح . وتختلف الروايات حـول من بـدأ بطلبـه ، ولكن المهم أن طوسـون وعبد الله توصـلا في نهايـة الأمـر إلى مشـروع صلح تضمن ـ كما روى ابن بشر ـ إيقـاف الحـرب بين الطرفـين ، وجـلاء قوات الغـزاة عن نجـد . وتأمين تنـقل أتباع أي من الطرفـين في بـلاد الآخـر . ومن الواضح أن هذا المشروع كان مرهوناً بموافقـة محمـد علي ، ذلك أن عبد الله بن سـعود بعـث مندوبين إلى القاهـرة لأخـذ حاكمهـا عليه . وكان ذلك في سـنة 1230هـ .
وهكذا بدأ اليأس يـجبُ في نفوس بعض المدافعـين عن الدرعيـة ، فترك جماعـة منهم ميدان القتال متسللين إلى خـارج البلدة . ورغم ما وصل إليه الوضع من سوء فإن الإمـام عبد الله لم يشأ أن ينجـو بنفسـه ويغادر عاصمته . وكما رفض أن يكون بعيداً عنهـا لـدى قبيلـة قحطـان من قبل أن يحاصرها إبراهيم بقواتـه فإنه صمم أن يبقي فيها خـلال الساعات الحرجـة من حصارها. ولعلـه رأى في هروبـه منها عاراً تهـون دونـه أي مصيبـة . فإنتصرت عوامل الشجاعـة في نفسـه على ما كانت تحتمـه الجـوانب السياسـية الذكيـة والرأي السليم . ولم تقف الحال ببعض أتباعـه عند حـد الهروب من الدرعية نجـاة بأنفسهم من المصير المخيف . بل إن منهم من خـرج منها . وقصـد إبراهيم باشـا. وكان من هـؤلاء أحـد القادة المشهورين، غصـاب العتيـبي . ومهما كان السبب وراء إتخـاذه ذلك الموقف فإن
( 32 )


ما قام به كان ضربـة قاسـية للمدافعـين السـعوديين وتقويـة لعزيمـة إبراهيم . وكان من نتائجـه تقريبـه مدفعيتـه من أسـوار البلدة وتركيـز نيرانهـا عليها .
وفي نهايـة الأمر إضطر الإمام عبد الله بن سـعود إلى أن يخرج إلى إبراهيـم باشا ليفاوضـه حـول إنهـاء الحرب . وإتفق الطرفـان على ذلك، كما إتفقـا على أن يسلم عبد الله نفسه لإبراهيـم ليبعث به إلى أبيـه في مصر . وكان إســتسلام الإمام عبد الله في الثامن من ذي القعدة سنة 1233هـ وبإسـتسلامه إنتهت آخـر حلقـة من حلقات الدفـاع البطـولي الذي قام به السـعوديون . وإنتهـت دولتهم الأولى ، وقد قـُتل في معارك الدرعيـة كثيرون من الطرفيـن . ومن بين القتلي السـعوديين واحـد وعشرون من أفراد الأسـرة الحاكمـة .
*** الدولـة السـعوديـة الثانيــة : ــ
تركـي بن عبد الله وقيـام الدولـة السـعوديـة الثانيــة : ــ
لم يقف تركي بن عبد الله آل سـعود مكتوف اليديـن إزاء ما قام به محمـد بن معمر من غـدر بمشاري بن سـعود . لقد وقف تركي مع ابن معمر حين بدأ جهـوده لتكـوين دولـة جـديدة في المنطقـة. وعندمـا تنازل عن احكم لمشـاري بن سـعود أصبح تركي ينظـر إلى هذا الأخير على أنه الحاكـم الشرعي ، فوقف معه وأيـده. ولما غـدر ابن معمـر بهذا الحاكم الشرعي ، فوقف معه وأيـده . ولما غـدر ابن معمر بهذا الحاكـم الشرعي صمم تركي على أن يعيـد الحـق إلى نصـابه ، فإنطـلق من بلدة الحائر ، التي كان قد ذهـب إليها بعد مغادرتـه للرياض ، وإتجـه إلى بلدة ضرما . وهناك إنضم إليه مــؤيده ، فسـار بهم حتى فاجـأ محمـد بن معمر في الدرعيـة وقبض عليه .
ولم يشـأ تركي بن عبد الله أن يتخـذ من الدرعيـة مركـزاً لنشاطـه ، وإنمـا فضل الرياض عليها . وربما كان من أسـباب تفضيلـه لهذه المدينـة أنها كانت قويـة التحصين . كثيرة المزارع ، وأنه ـ بصفتـه من الأسرة السعوديـة ذاتهـا ـ لم توجـد لديـه حساسـية أين يضع مركـز نشـاطـه ؛ إذ أن مجـده إمتـداد لمجـد الأسـرة السعوديـة السـابق .
على أن الأمور ما إن استقرت لتركي بن عبد الله في الرياض حتى حاصره فيصل الدويش بأتباعه ومعه عدد من رجال الفرقـة العسكرية الموجـودة في عنيزة . ولكنه صمد أمـام المحاصرين له ، فإنسحبوا إلى الوشم . ولم يكن نجـاح تركـي بن عبد الله الأولي إلا حـافزاً لمحمـد علي ، حاكم مصر ، ليرسل تعزيزات أخـرى للقضاء على الحركـة السعوديـة الجـديدة ، فأرسل قـوة بقيادة حسين بلك إلــــــــى
(33)

نجـد . وحين وصلت إلى القصيم إنضم إليهـا آبـوش أغـا ببعض من معـه . وسـار الجميـع بقيادة حسين بك حـتى وسـلوا إلى الوشم . ومن هناك بعـث القائـد المذكـور آبـوش آغـا مع عـدد من أفراد جيشـه ومن إنضم إليه من أهـل إلى الرياض . ودخـل آبـوش ومن معه هذه المدينـة ، فحاصر تركي بن عبد الله وأنصاره في قصـر إمارتهـا . وحينما إشـتد الحصـار على هـؤلاء تسلل تركي من القصر ليـلاً إلى خـارج المدينـة وإتجـه إلى الجهـات الجنوبيـة من نجـد . أما منن كانوا معه فطلبـوا الأمـان من قائـدة الفرقـة المحاصرة لهم ، وإسـتسلموا له بعد أن وعدهـم بتلبيـة ما طـلبوه منه ، ولكنه غـدر بهم وقتل أكثرهــم .
وفي شـهر رمضـان من عام 1238هـ ، إسـتأنف تركي بن عبد الله نشـاطـه لإخـراج بقيـة القوات الغازيـة من نجـد وتوحيـد المنطقـة ، فترك بلدة الحلوة الواقعـة جنوبي نجـد ، ووصل في نهايـة الأمـر مع عـدد قليل من أنصاره إلى بلدة عرقـة القريبـة من الرياض .
وفي آواخـر عام 1239هـ تقـدم تركي بن عبد الله بأعوانـه إلى منفوحـة ، وأجبر من كان فيها من الجنود على مغادرتها ، وإسـتولى عليها. ثم شـدد حصاره على العسكر الموجـودين في الرياض حتى طلب قائدهم ، أبو علي المغربي ، منه الصلح ، فوافقــه تركي على ذلك. وتم الصلح بينهما على أن يغادر المغربي نجـداً قواتـه وأسلحتـه ، وأن يـؤمن من تعـاون معـه من أهل الريـاض .
ولم يشـأ تركي بن عبد الله ، لبـُعد نظـره ، أن يدخل الرياض قبل أن يتأكـد بنفسه من تنـفيذ المغربي ما إشترط عليه من إنسحـاب عن المنطقـة . ولذلك أمـر مشاري بن ناصر آل سـعود أن يدخل البلدة المذكـورة ويضبط الأمـور فيها . أما هو فتوجـه بأعوانــه إلى الوشـم حيث إستقام في شـقراء شهراً مـر به خـلاله أبو علي المغربي ومن معه متجهـين إلى الحجـاز. وقد وفـد إليه هناك أمير بلدة عنيزة يحي بن سـُليم . وبايعـه على السمع والطـاعـة ؛ وذلك عام 1240هـ. وكان إسـتيلاء تركي بن عبد الله علـى الرياض في مستهل ذلك العام . ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الرياض مقـراً للحكم السـعودي . وكان جـلاء القوات الغازيــة عن نجـد إيذاناً بقيـام الدولـة السـعوديـة الثانيــة .
*** تــوحـيد نجــد : ــ
تطـلع كثير من النجـديين إلى وجـود سلطـة تحـقق لهم الأمن والوحـدة . كما أنه أشـير إلى إزديـاد كـره غالبيــة سكان نجـد للغـزاة . بعد أن قام هـؤلاء بما قامـوا به من غـدر وظلـم . وقد إتضح هذا وذاك في ضـوء ما قام بـه من حركات مقاومـة في أمكنـة متعددة . وما أقدم عليه بعض الأمـراء من



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:56 AM   #8 (المشاركة)
عزيزة الشريف
«۩۞۩ عضو فعال ۩۞۩»


الصورة الرمزية عزيزة الشريف
عزيزة الشريف غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2921
 تاريخ التسجيل :  Mar 2013
 أخر زيارة : 2016-10-18 (07:30 PM)
 المشاركات : 230 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_vistaie
افتراضي




موضوع في قمة الجمال
وأضاء بجماله أرجاء المكان
فجزاك الله خيرا



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:57 AM   #9 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




إنضمام إلى تركي بن عبد الله قبل أن يسـتكمل خطـواتـه في إجـلاء بقيـة رجال الحـاميات العسكرية التابعـة لحاكـم مصر من البـلاد ويسـتقر في الرياض ، عاصمـة دولته الجـديدة .
ولم يمـر عامان على جـلاء القوات الغازيــة عن نجـد وإسـتقرار تركي بن عبد الله في الرياض إلا وقد بايعته البلدان النجـديـة كلها .
ومن الواضح أن تلك البلدان ـ بإسـتثناء بعض بلدان الخـرج ـ قد إنضمت إلى دولتـه دون حرب . ولعل هذا يدل على أمريـن مهميـن ؛ أحدهما ما سبق أن ذكـر من تطـلُع كثيـر من النجـديين إلى زعامـة تجمـع شـتاتهم وتحقق لهم الأمـن . وهما مسألتان شـعروا بفائدتهمـا زمـن الدولـة السـعوديـة الأولي . وثانيهمـا تحلي الإمـام تركـي بن عبد الله بصفـات قيـاديـة عظيمـة أثرت في نفوس كثير منهم ؛ زعـامات وأتباعــاً .
ولقد شـهد عام 1241هـ وصول الشـيخ عبد الرحمن بن حسـن ، حفـــــــيـد الشيخ محمــــد بن عبد الوهاب ، من مصر إلى الرياض . فحـل محـل جـده محمـد في إدارة الشـؤون الدينيـة في الدولـة وإبداء المشـورة في تسـيير أمورها العامـة . وبعد ذلك بعامين إسـتطـاع فيصل ابن تركي أن يغادر القاهـرة ويعـود إلى نجـد .
*** توحيـد المنطقـة الشرقيـة مع نجـد : ــ
ذُكـر بأن زعمـاء بني خـالد إستطاعوا أن يستعيدوا حكم المنطقـة الشرقية بعد القضاء على الدولـة السعوديـة الأولى وانسحاب قائـد الفرقـة العسكريـة التابعـة لإبراهيـم باشـا منها . وكان أولئك الزعمـاء ينظـرون إلى أي دولـة توحيديـة تقوم في نجـد نظـرة غير وديـة . ومن أدلـة ذلك ما سبق ذكـره عن تحركهـم ضـد محمـد بن معمـر حينما حاول إقامـة دولـة في هذه المنطقـة .
وكانت أول مناوشـة بين دولـة الإمـام تركي بن عبد الله وزعمـاء بني خـالد سـنة 1242هـ ـ وكانت السنة الحاسمة في العلاقـة بين الطرفين . ذلك أن أولها شـهد غـزو عمـر بن عُفيصان، بأمـر الإمام تركي ، للأحسـاء . ثم تـلا ذلك غـزو أحـد زعمـاء بني خـالد لبلدة حـرمـة النجـديـة . وبعد هنذين الغــزوين سـار محمـد بن عريمـر وأخـوه ماجـد بأتباعهما من قبيلتهمـا ومن انضم إليهما من القبائل الأخـرى إلى نجـد. فأمـر الإمـام تركـي ابنه فيصـلا بأن يقـود أتباعـه من الحاضرة والباديـة لصـد الزعيمين الخالديين ومن معهمـا . وقد دارت بين الطرفيـن إشـتباكات عنيفـة إستمرت أيامـاً . وقتـل خلالهـا ماجـد بن عريعـر .ثم لحـق الإمام تركي بابنه فيصل وأتباعه وحينما وصـل إلي ميدان المعركـة
(35)

دب الفشل في صفوف محمـد بن عريعـر ومن معـه ، فولـوا مدبريـن. وغنـم الجيش السعودي الشـيء الكثير مما كان في حوزتهـم من الإبل والغنـم والأمتعـة والأمـوال. وقد عـُرفـت المعركـة بمعركـة السـبيه . ثم كتب الإمـام تركي إلى كبـار الإحسـاء يدعـوهم إلى مبايعتـه . فأجـابوه إلى ذلك . واتجـه إلى هناك. فلما أقترب من الإحسـاء هـرب منها كثيـر من بني خـالد . ودخلهــا الإمـام وإبنـه دون قتال ، أما محمـد بن عريعـر ، الذي كان قد وصل إلى تلك البـلاد بعد هزيمتـه في معركـة السـبية ، فقد تحصـن في قصـر الكـوت . ثم إسـتسلم للإمـام تركي بن عبد الله ، فعاملـه باللطف والتقديـر . وهكذا خرجـت الإحسـاء من حكـم بني خـالد ، وأصبحـت جـزءاً من الدولـة السـعوديـة مـرة ثانيـة .
وقد مكـث الإمـام تركي بن عبد الله في الإحساء أكثر من أربعين يومـاً وفـد إليه خـلالها زعمـاء القطيف . وبايعـوه على السمع والطـاعـة .
*** الإمـام تركي وجهـات عمــان : ــ
ظلـت بعض المناطـق التي دخلـت تحت نفـوذ الدولـة السـعوديـة الأولى في جهـات عمـان ؛ مثل رأس الخيمـة. على ولاتها لآل سـعود . وفي عام 1244هـ وفـد إلى الإمـام تركي بن عبد الله جماعـة من أهل تلك الجهـات، وطـلبوا منه أن يرسل إليهم قاضياً وسـريـة تقـف معهم ضـد خصومهم. فأرسل إليهم سرية بقيادة عمـر بن عُـفيصان ومعه الشيخ محمـد العوسـجي. وأصبحت البريمي مركـزاً للقوة السـعوديـة في الجهـات المشار إليهـا .
وفي سـنة 1248هـ ـ أرسـله الإمـام تركي على رأس حملـة قويـة إلى عُمـان. وإضطـر السلطان سـعيد ، صاحب مسـقط ، إلى إظهـار المودة لذلك الإمـام وإلى دفـع مبلغ مالي إليـه سـنوياً . وهـكذا وصل نفـوذه في جهـات عمـان إلـى المستوى الذي وصل إليـه نفـوذ قـادة الدولـة السـعوديـة الأولى.
*** الإمـام تركي وآل خليفــة : ــ
كان لدخـول المنطقـة الشرقيـة تحت حكم الإمـام تركـي بن عبد الله أثـره المباشر في علاقتـه مع آل خليفـة الذين كانـوا يحكمـون البحرين وجـزءاً كبيراً من قطـر حينذاك . وقد دخـل الإمام مع عبد الله بن خليفـة في مفاوضات أدت إلى إعتراف عبد الله بتبعيـته للإمـام المذكـور . وقبولـه دفـع الزكاة إليـه ، على أن يساعده الإمام ضـد أي عدوان يـُوجـه إلى البحريـن . ولكن ذلك الإتفاق لم يسـتمر حتى نهايـة عهـد الإمام تركي . ففي أواخـر عهـده حـدث خـلاف بين العماير وأمير القطيف .
(36)

وذهب فيصل بن تركي إلى هناك لمعالجـة تلك المشكلة . فلما أغـار على العماير لجأ من إنهزم منهـم إلـى قصـر الدمـام ، الذي كان فيه أبناء آل خليفـة . فهاجمهـم فيصل هناك ثم رحـل إلى سيهات ، وقد حـقق فيصل كثيراً من النجـاح في المنطقـة . ولكن أخبـار اغتيال أبيـه في الرياض جـعلته ينسـحب بسرعـة من المنطقـة المذكـورة إلى العاصمـة .
الإمـام تركـي والعثمانيـون : ــ
** من الواضح أن العثمانيين كانوا يكرهون أن تقوم دولـة جديدة لآل سعود بعد أن رأوا ما رأوه من الدولـة السعوديـة ، بذل جهـوداً فإن حاكـم مصر . الذي كان تابعـاً للدولـة العثمانيــة ، بذل جهـوداً مكثفـة للقضاء على حركـة الإمام تركي بن عبد الله في مهدهـا . ولكن ذلك الإمام نجـح أمام العقبات التي واجهته ، ومع نجـاحـه العسكري في إرغـام بقية رجـال محمـد علي على مغادرة نجـد فإنه حاول أن يتقرب من الدولـة العثمانيـة وينال إعتراف6ها بـه . وذلك بمراسلـة كل من والي مصر ووالي العراق والتودد إليهما ؛ معلنـاً إسـتعداده لموالتهما. وقد نجـح في إقامـة علاقـة لا بأس بها مع باشا بغداد، ولكن حاكم مصر لم يعترف به ؛ بل كان ينظـر إلى المناطق التي إسـتولى عليها على أنها تابعـة له . ولم يمنعـه من التدخل ضـده عسـكرياً إلا إنشغالـه بحروبـه خـارج الجزيرة العرلابية ، وبمحاولته القضـاء على ثـورة عسير. وظل الإمام تركي يتصرف في دولته تصـرُف الحاكم القوي المستقل . ولكنه لم يحـاول أن يتحـدى الدولـة العثمانيـة أو حكـومـة محمـد علي بالتعرض للمناطـق الحساسـة كالحجـاز .
وحينمـا كان فيصل بن تركي على رأس القوات السعوديـة في شـرقي الجزيرة العربية للقضاء على التمرد الذي قام به العمايـر إستغل مشاري بن عبد الرحمن هذه الفرصـة فـدبـر مـؤامرة أدت إلى إغتيال حـاله الإمام ترلكي بن عبد الله، وإسـتيلائـه على مقاليـد الأمـور في الرياض . وكان ذلك في آخـر يوم من سـنة 1249هـ (9/ 5/ 1834م ) .
وهـكذا إنتهي عهـد الإمام تركي الذي إتصف بصفات قياديـة عظيمـة من أبرزهـا الشجاعـة وحسـن التخطيـط والعدل . وقد تمكـن من إجـلاء بقيـة القوات التابعـة لحاكم مصـر عن نجـد، كما تمكن من توحيـد كثير من المناطق التي كانت تابعـة للدولـة السعوديـة الأولى . وهو ، بما حققـه من نجـاح لم يتفوق عليه نجـاح أي حاكم من حكام الدولـة السـعوديـة الثانيـة ، وبأقدميته زمنـاً على إولئـك الحكام ، يـُعـد المؤسس لتلك الدولة.
الفترة الأولى من حكم الإمـام فيصل بن تركي : ــ
1ــ حينما وصل إلى فيصل بن تركي خبـر إغتيال أبيه وإستيلاء مشـاري بن عبد الرحمن على مقاليد الأمـور في الرياض جمـع كبار قـادة جيشـه ، وأطلعهم على ما حـدث ، فبايعـوه بالإمامـة . وإستقر رأي الجميـع على العودة بسرعـة إلى الرياض لإنتزاع الحكم ممن إسـتولى عليه جـوراً .
( 37 )

وكانت نهايـة مشاري بن عبد الرحمن معروفـة. فلم تكن مسألة إنهياره والقضاء عليه إلا مسألة وقت فقط . وبعد عشرين يوماً من بـدء محاصرته فقد فريق ممن كان معه الثقـة بموقفهم ، فنزلـوا من القصر ، وأخبروا فيصـلاً وأتباعـه أن الذعــر قد دب في نفوس المحاصرين ، كما أخبروهم بمواقعهم .
وكان مع مشاري بن عبد الرحمن داخل القصر سـُويـد بن علي أمير بلدة جلاجل سابقاً . ولم يكن غريباً أن يقف سويـد مع مشاري لأن الإمام تركي بن عبد الله سبق وأن عـزله عن إمـارة بلدته أواخـر سنة 1247هـ . وكان يهمُـه أن يعود إلى تلك الإمـارة بأي وسيلة ، ولعلـه رأي طريق العودة إليها في وقـوفه مع المستولي الجـديد على السلطـة في عاصمة البلاد . ومن الصدف أن سـويـد بن علي كانت تربطـه صداقـة قديمـة بعبد الله بن رشـيد . أحـد قـادة جيش فيصل بن تركي المقربين إليـه . وبموافقـة من فيصل تم إتصال بين ســــويد وعبد الله نتــج عنه إتفاق على أن يُسـهل الأول مهمـة تسـلُق الثاني مع عـدد من أفراد الجيش المـُحاصر إلى داخـل القصر، وأن يقف بجانبهم ضـد مشـاري بن عبد الرحمن على أن يوليـه الإمام فيصل إمـارة بلدته ، جلاجل ، وأن تكون إمارتها لذريتـه من بعـده . وحينما أصبح ابن رشـيد ومن معه في القصر إنضم إليه سـويـد وأتباعـه . ثم دارت بينهم وبين مشـاري ومن بقي موالياً له معركـة إنتهـت بالقضاء عليه . وذلك بعد أربعـين يومـاً فقـط من إغتيالــه للإمـام تركي وتوليـه السلطـة في الرياض .
وكان من أول الأعمـال التي قام بها الإمـام الجـديد أن دعـا كبار قضـاة البلدان إلى عاصمته، وأكرمهم غايـــة الإكرام ، ووجـه خطـاباً إلى أتباعـه حثـهم فيه على الوحـدة والتمشي مع أوامـر الشرع؛ وبخاصـة فيما يتعلق بالأمـر بالمعروف والنهي عن المنكـر . وأداء الزكاة . ومعروف أن الزكـاة كانت أهم مصدر من مصادر دخـل الدولـة حينذاك . ولذلك أمـر الإمام فيصل عُـمالها أن يركـبوا مع رؤسـاء القبائل الذين وفـدوا إليه لجبايتها من قبائلهم .
إمتنعـت بعض القبائل من أداء الزكـاة إلى عُمـال الدولـة . فأرسل الإمام فيصل جيشـاً إلى الوادي المذكـور لإنهـاء الخـلاف القائم فيه . وقام ذلك الجيش بمهاجمـة من وقع منهم الخـلاف والشغب. ثم عـاد إلى العاصمة ، ومع أن الجيش المشار إليه قد أظهـر فيما يبدو قـوة الحكومـة الجديدة إلا أنه لم يحقق كل أهدافـه ثم سـار الإمـام فيصل بنفسه ومعه قوات أغلبها من الحاضرة . وهاجم فريقـاً من قبيلـة الدواسر في العرمـة . وبذلك أدرك زعماؤهـم قـوتـه أكثر من ذي قبل. وأصبحوا على إستعداد للإذعـان له . ثم إتجـه بمن معه إلى عاليـة نجـد حيث أقام أربعـين يومـاً حـول بلدة الشـعراء هاجم خـلالها بعض القبائل التي لم تـؤد الزكاة إليه حتى خضعت لحكمـه ، وأدت الزكـاة إليه . وهناك وفـد إليه زعمـاء وادي الدواسـر ، وبايعـوه على السمع والطـاعـة . ومما قام به وهـو نازل حـول الشـعــراء أن عيـن صـديقـه الحميم عبد الله بن علي بن رشـيد أميراً على جبل شــمر بدلاً من صـالح بن عبد المحسـن بن علي وبذلك وضـع أساس إمـارة آل رشـيد التي أصبح لها تأثيـر كبير في تسـيير دفــة الأحـداث في منطقـة نجـد .
(38 )

وبعد النجـاح الذي حققه الإمام فيصل في إظهـار قوتـه أمام القبائل النجديـة عاد إلى الرياض ، وأخـذ يعمل لحل المشكلة التي كانت قائمـة في المنطقـة الشرقية منذ أواخـر عهـد أبيه . وقد أتاحـت له ظـروفـه الداخليـة ، وظـروف خصومه من آل خليفـة ، التي كان منها تـوتـُر العلاقـة بينهم وبين حاكـم بلاد فارس ، أن يصل معهم إلى إتفاق تخـلوا بموجبـه عما سبق أن إسـتولوا عليه من سواحل تلك المنطقـة . وتعهـدوا بدفـع الزكـاة إليه مقابل مساعدتـه لهم ضـد أي عـدوان خـارجي .
وهكـذا جهـز محمـد علي جيشـاً بقيادة إسماعيل بك ، ولكنه من الناحيـة الأسمية تحت رايـة خـالد بن سـعود . أخير الإمـام عبد الله آخـر حكام الدولـة السـعوديـة الأولي .
ولقد حـاول الإمام فيصل بن تركي أن يتفادى الصدام مع الجيش الموجـه إليه بإرسال الهدايـا إلى قائديـه ، وإظهـار حسـن نيـته تجـاههمـا. ولكن محاولته لم تـؤد الثمرة المرجـوة . وذلك أن الجيش واصل زحفـه من المدينـة المنورة إلى الحناكيـة متجهـاً إلى القصيم .
ولما وصل الإمام فيصل بأتباعـه إلى إقليم القصيم أقـام قرب التنومـة فترة علم خـلالها أن الجيش المصري قد وصل إلى بلدة الرس إحـدى بلدانـه المهمـة. فتوجـه الإمـام إلى بلدة عنيـزة ونزلها . فـوقف معه أميرهـا وأهلها . ثم إسـتنفر أمير بريـدة فـوقف معه . وبعد ذلك تحـرك بقواتـه ومن إنضم إليه من أهـالي القصيم إلى رياض الخبراء . وأقام هناك حـوالي عشرين يومـاً مستعداً لمحاربـة خصمه. وفي آخـر الأمـر قام ببعض الإجراءات التي جعلت بعض أتباعـه يظنُـون أنه منهـزم فدبـت الفوضي بينهم . ورجـع الإمام إلى عنيـزة ثم غـادرهـا عائـداً إلـى الرياض .
ومن سـوء حـظ الإمام فيصل أنه حين عـاد من القصيم إلى عاصمة بلاده وجـد أن الفشل قد دب في نفوس أهلهـا. وأنهم غير مستعديـن لمواجهـة الجيش المصري . بل إن قسماً منهم كان مهيأ للإنضمام إلى ذلك الجيش ؛ إما لأنهم رأوا أحقيـة خالد بن سـعود في الحكم ، وإما لأنهم خافـوا من بطش الغـزاة . وعلى أي حـال فإن الإمـام فيصـلاً حينما رأى ضعف موقفـه في الرياض قـرر أن يتركهـا . فأخـذ ما أستطاع أخـذه من قصر الحكم ، وإتجـه هـو ومن إتبعـه إلى الخـرج ، ثم توجـه من هناك إلى الأحسـاء .
جـرت إتصـالات بين فيصل بن تركي ووالي العراق العثماني. ومن الواضح أن كـلاً منهما حـاول أن يسـتفيد من الآخـر في الوقوف أمام العـدو المشترك لهما حينذاك . وهو محمـد علي ، وحينما أدرك هذا الأخير ضعف موقف خالـد بن سـعود ومن معه بعث حملة جـديد إلى نجـد بقيـادة واحـد من أمهـر قادتـه العسكريين ، وهو خـورشـيد باشا ، وكان من أول ما قاد به ذلك القائـد أن أرسل إلى فيصل بن تركي هديـة مع عبد الله الشريف . صاحب بلدة ينبع ؛ آذنـاً له أن يأخـذ ما أراد أخـذه من ممتلكاتـه الموجـودة في الرياض ، وواعـداً إياه " التقرير في ملكـه ، ولا عليه منازع " كما يقول أبن بشر . ولعل ما حـدث هو أن ذلك القائـد وعـد فيصـلاً بأن يظـل حاكماً على أجـزاء مما كان تحت يـده ؛ مثل الجهـات الجنوبيـة من نجـد والأحسـاء .
(39 )

ولم يكن فيصل غير راغب في الصلح ؛ لا سيمـا بعد أن علـم بقـوة الحملـة الجـديدة . فتراجع إلى الدلم ، وبعث هديـة إلى خورشـيد مع أخيـه جـلوي بن تركي ، الذي بقـي مع ذلك القائـد في مسـيرته من الحجـاز حتى وصل إلى القصيم . وسـواء كان بقـاء جـلوي مع خورشـيد شرطـاً من شـروط الأخير ليضمن عدم مهاجمـة فيصل لخـالد بن ســعود . أو كان رغبـة من ذلك الإمـام في كسـب ثقـة القائـد المذكـور وزيـادة في إظهـار حُسـن نوايـاه تجـاهـه . فإن جـلوي بن تركي هـرب من عنيـزة بعد أن إتضحـت له حقيقـة موقف خورشـيد من أخيـه الإمام فيصل .
وبينما كانت تلك الأحـداث تجري حـدث تغـيُـر في سـير الأمـور بمنطقـة جبل شـمر . فقـد ترك عبد الله بن رشـيد جُـبة ، وإتخـذ من بلـدة قـُفـار المجـاورة لحائل مركـزاً لنشـاطـه ضـد عيسـى بن علي . وفي أثناء مواصلتـه لذلك النشاط أشـار عليه رجـل من حـائل بأن يذهـب إلى المدينـة المنورة ليتفـق مع خورشـيد باشا ويتعاون معه مقابل مسـاعدة ذلك الباشـا له على إسـتعادة إمـارة الجبل . وذهـب عبد الله إلى هناك . وإتفق مع خـورشـيد ولكنه لم يعـد إلى جبـل شـمر إلا وقد نجـح أخـوه عُبيـد في الإسـتيلاء على حـائل وإخـراج عيسى بن علي منها . وبذلك عـاد عبد الله بن رشـيد إلي إمـارة الجبـل بقـوة أخيـه عبيـد وأعوانـه ، وبمباركـة قائـد الحملـة المصريـة الجـديدة ، خـورشـيد باشا .
ولقد أستقام خورشـيد في عنيـزة حـوالي خمسـة شـهور وفـد إليه خـلالها كثير من زعمـاء القبائل الكبيرة في نجـد معلنين ولاءهـم له ، وإسـتعداتهم للقيام بما يأمرهم به . كما وفـد إليه الأميـر عبد الله بن رشـيد ونال تقديـره وهـداياه. ثم واصل قائـد الحملـة سـيره إلى الريـاض . فلما وصل إليها أفصح عن نوايـاه الحقيقيـة تجـاه فيصل ابن تركي ، وأنـذره بأنه سيحاربـه إن لم يسـتسلم له. ورفض الإمـام أن يسـتسلم لخـورشـيد فإتجـه هذا القائـد لمحاربته . ودارت بينهما عــدة مـعارك في جهـة الدلم ،وكان النصر في النهايـة لخورشـيد ومن معـه.
وإضطـر الإمام فيصل إلى أن يقابلـه لإنهـاء الحرب . وإتفقـا على أن يـُؤمـن إتباع فيصل ، وأن يتوجـه هو إلى مصر ، وكان ذلك في العشر الأواخـر من رمضـان سـنة 1254هـ .
وهـكذا إنتهت فترة حـكم الإمـام فيصـل الأولى ، وحمـل إلى القاهـرة في اليوم الثاني من شـهر شوال من تلك السنة ، التاسع عشـر من ديسـمبر عام 1838هـ .
البـلاد بين فـترتي حـكم الإمـام فيصل بن تركي : ــ
بعد إسـتسلام الإمام فيصل بن تركي لخـورشـيد باشا بدأ هذا القائـد يخـطط للإسـتيلاء على منطقـة الأحسـاء المهمـة ، ثم التوغل منها في بقيـة جهـات الخليج . فأرسل إلى عمـر بن عفيصان ، أمير تلك المنطقـة من قبل الإمـام فيصل ؛ عارضاً عليه الأمـان مقابل دخـوله في طـاعتـه .
وإدراكاً من عمر لقـوة خورشيد ترك الأحسـاء إما لعدم ثقته بذلك القائـد وبما عرضه عليه من أمان ، وإمـا لعدم رغبته في الدخـول تحت نفـوذه . وبتركه الأحسـاء دخلت تلك المنطقـة تحت حكم خورشيد. فعين
(40 )

أحمـد السـديري أميراً لها . وعين عيسـى بن علي الذي سبق أن تولى إمـارة جبـل شـمر ، أمينا لبيت المال فيهـا
وتمكن بعد ذلك من إدخـال القطيف تحت نفـوذه . وبذلك خضعـت المنطقـة الشرقيـة كلها له .
وكان من نتائج إسـتيلاء خورشـيد على المنطقـة الشرقيـة أنبدأ نشاطـه في بقيـة جهـات الخليج وعمان ، متخذاً من تبعيـة تلك الجهـات لآل سـعود بطريقـة من الطـرق وسـيلة لمحاولـة إدخالهـا تحت الحكم المصري .
ويبدوا أن الظروف التي كان يمر بها حاكـم البحرين حينذاك قد هيأتـه لإبرام إتفاق مع خورشيد بحيث أصبح وضع ذلك الحاكم معه مشابهاً لوضع أسـلافـه من آل خليفـة مع القادة السـعوديين الأقويـاء . وقد نجح خـورشـيد ، أيضـاً في مـد نفـوذه على الجهـات التي كانت خاضعة لآل سـعود في نـواحي عمان . وقام بجهـود لإجبار سلطان مسـقط بأن يكون وضعـه تجـاهـه مثل وضعـه مع أولئك القادة السعوديين . وأقام علاقـات طيبـة مع حاكم الكويت . ثم بدأ يخـطط لغـزو العـراق .
ومن الواضح أن النجـاح الذي حققه محمـد على عن طريق قائده في الجزيرة العربية ؛ إضـافـة إلى ما حققه من نجـاح في مناطق أخري ، قد أثـار مخـاوف بريطانيا بدرجـة كبيرة . وإذا كانت هذه الدولـة قد رأت في الدولـة السـعوديـة الأولي مصـدر خطـر على نفوذهـا في الخليج ، وأبدت سـرورها بقضاء حاكم مصر عليها. فإنهـا قد أدركت أن هـذا الحاكم قد أصبح أشـد خطـراً عليها من آل سـعود بعد أن وصلت دولته إلى ما وصلت إليه من إتساع ، وبلـغ جيشـه ما بلغـه من تنظيـم وتدريب وقـوة . ولذلك بدأت تعمل على تحطيم قـوتـه التي باتت تهـدد مصالحها في المنطقـة كلها . وقد لاحـت الفرصـة الذهبيـة أمامها حينمـا إنتصرت قواتـه على قوات الدولـة العثمانيـة . وزحفـت نحـو عاصمتها مما جعل ذلك الصراع يتحول إلى أزمـة دوليـة . وتزعمت بريطـانيا بعض القـوى العالمية حينذاك ، فأرغمت محمـد علي ، بموجب الشام والجـزيرة العربية . وبذلك لم تطل إقامـة خورشـيد في شـرقي الجـزيرة ونجـد ؛ بل إنسحب إلى الحجـاز ، فمصر ، تاركاً حاميات صغيرة مع خـالد بن سـعود .
وكان لإنسحاب خورشـيد بقواتـه أثـر كبير على موقف خـالد بن سـعود ، وذلك أن الجهـات النائية نوعـاً ما عن الرياض بدأت تتصرف تصرف المستقل . ولم يستمر خـالد في الحكم بعد ذلك الإنسـحاب أكثـر من عام واحــد حـدثت خـلالـه عـدة مشكلات من أبرزهـا المشكلة التي قامت بين زعيـم جبل شـمر ،عبد الله بن رشـيد، وزعمـاء القصيم ؛ وبخاصـة أمير بريـدة عبد العـزيز بن محمـد آل عليان . وقد تطـورت هذه المشكلة إلى حـدوث معركـة بين الطرفـين في بقعـاء سـنة 1257هـ . وإنتصر في تلك المعركـة زعيـم الجبل وقومـه من شــمر إنتصـاراً عظيمـاً على أهـل القصيم وحلفائهم من عنـزة ، فثبت مـركـزه في منطقتـه وما حولها أكثر من ذي قبل .
على أن المشكلة الحقيقيـة الكبرى بالنسـبة لخـالد بن سـعود في تلك الفترة كانت ثـورة عبد الله بن ثـُنيـان آل سـعود ضـده. وكان عبد الله يختلف مع خـالد في نظـرته تجـاه الحكم المصري . وقد إتضح موقفـه المعادي لمحمـد علي وأعـوانـه قبل إنسـحاب خورشـيد من نجـد . وربما كان ذلك هو السـبب الأسـاسي لعــــدم
(41 )

إطمئنان خـالد إليـه . وإلحاحــه على أن يصحبـه إلى القصيم لـوداع القائـد المذكـور حين مغادرتـه تلك المنطقـة . ولكن عبد الله أسـتطاع فيما بعد أن يهـرب من الرياض إلى قبيلـة المنتفق ، ثم عـاد من تلك القبيلـة إلى نجـد بعد فترة قصـيرة ، وإتجـه إلى بلدة الحائـر. وقد بدأ نشـاطـه من هناك. فإتصل بسكان المنطقـة الجنوبيـة من نجـد الذين إشـتهروا بمقاومتهم للنفـوذ الخـارجي في البـلاد . وإتفـق معهـم على العمل للإطـاحـة بخـالد ابن سـعود الممثل لذلك النفـوذ . وقد حـاول خـالد أن يسـتنهض هـمم النجـديين للوقوف معه ضـد ابن ثُنيـان ومن انضم إليه . ولكنه محاولته بـاءت بالفضل . فأدرك أن الموقف في صالح خصمـه . وقـرر أن يبتعـد عن نجـد ويذهـب إلى الأحسـاء لعلـه يجـد فيها من يقف معه .
وحينمـا علم خـالد بن سـعود بإسـتيلاء عبد الله بن ثُــنيان على الرياض حاول أن يجهـز جيشـاً من الأحسـاء ليزحـف به على نجـد . ولكن الشـعور بالضعـف كان قد أخـذ منه مأخـذه . فأقـلع عن محاولته ، وغـادر تلك المنطقـة إلى الكويت . ومن هناك توجـه إلى القصيم ، ثم إلى مكـة المكرمــة .
ولمـا وصلت الأخبـار إلى عبد الله بن ثـُنيـان بهـروب خـالد بن سـعود من الأحسـاء بعـث طليعـة من أتباعــه لتسـتولي علي قصـر الحكـم فيها . ثم بعـث إليها عمر بن عـُفيصـان أميراً . وعـين بعد ذلك أحمـد بن محمـد السـديري أميراً على القطيـف. وهـكذا أصبح نفـوذه يشـمل المنطقـة الشرقيـة ونجـداً بإسـتثناء منطقـتي القصيـم وجبـل شــمر اللتين يبـدو أنهما كانتـا تتمتعـان بالإسـتقلال .



 

رد مع اقتباس
قديم 2013-06-27, 11:57 AM   #10 (المشاركة)
مملكتي الحبيبة
«۩۞۩ عضو مشارك ۩۞۩»


الصورة الرمزية مملكتي الحبيبة
مملكتي الحبيبة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3563
 تاريخ التسجيل :  Jun 2013
 أخر زيارة : 2017-02-02 (09:59 PM)
 المشاركات : 187 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue
windows_98_nt_2000ie
افتراضي




الفترة الثانيـة من حكـم الإمـام فيصل بن تركي : ــ
1ــ إسـتعادتـه الحـكـم : ــ
** حينما تمكـن فيصل بن تركي من مغادرة مصـر إتجـه إلى جبل شــمر. وكان ذلك الإتجـاه أمراً متوقعاً . وذلك أن الجبل أقرب المناطق النجـديـة إلى شمالي الحجـاز الذي توغـل فيصل في جـزيرة العرب عن طريقــه. ثم إن ذلك الجبل ، أيضا ، وكان حينذاك تحت إمـرة صـديقـه عبد الله بن رشـيد ، الذي كان قد ثبت حكمـه هناك، وإزداد رســوخـاً إثـر معركـة بقعـاء المشار إليه . ولقد وجـد فيصل من ذلك الأمير ما كان متوقعـاً ومؤملاً أن يجـده من ترحيـب وإسـتعداد للوقوف معـه لإسـتعادة حكـم البـلاد .
وما أن إسـتقر فيصل بن تركي في حائـل حتى كتب إلى إمـراء نجـد وزعمائها يخبرهم بوصوله إليها . ويطلب منهم أن ينضموا إليه . وكانت القصيم أول مرحلـة من مراحـل خطتـه في الإسـتيلاء على نجـد ، وذلك لقربهـا من جـبل شـمر، ولأهميتها من حيث الموقـع والثـروة .
ولقد إختلف موقفـا زعمـاء البلدتين الكبيرتين هناك ، ففضل أمير بريـدة ، عبد العـزيز بن محمـد آل أبي عليـان . أن ينضم إلى عبد الله ابن ثـُنيـان . ولعل من أسـباب ذلك ما كان يوجـد من عـداوة بينه وبين عبد الله بن رشــيد عمـاد قـوة فيصل بن تركـي حـينذاك .
(42)

أما أمير عنيـزة ، عبد الله ابن سـُليم ، فقد ناقش القضيـة مع كبـار أهل بلدتـه والقاضي عبد الله أبي بطـين ، ورأى الجميـع الوقوف مع فيصل بن تركـي. فبعثـوا إليه وفـداً يخبـره بإسـتعدادهم لإسـتقباله والترحيب به . وأسـتطاع فيصل أن يصل إلى عنيـزة قبل أن يدركـه عبد الله بن ثـُنيـان بما أعـده من قوات . وعندئذ أدرك هذا الأخيـر ضعف موقفـه وبخاصـة بعد أن إنضـم بعض أتباعـه إلى صـفوف خصمـه ولم يجــد بداً من العـودة إلى الريـاض .
وما أن إنسـحب عبد الله بن ثـُنيـان من القصيم حتى أصبحـت جميـع بلدانهـا تحت نفـوذ فيصل بن تركي ، الذي واصـل زحفـه صـوب الرياض والنصر يواكبـه مرحلـة حتى وصل إلى هذه المدينـة .
وبعد حـوالي ثـلاثـة أسـابيع من بـدء الحصار دارت مفاوضات بين الزعيمين السـعوديين عن طـريق عـُبيـد بن رشـيد ، ولكنها لم تسـفر عن نتيجـة إيجـابية . فتسـلل عبد الله من القصـر محـاولاً الهـروب من الريـاض . ولكن إتباع فيصـل قبضـوا عليـه وسـلموه إلى قائدهـم، الذي أودعـه في السـجن . وبذلك انتهـت فتـرة حكـم ابن ثــُنيـان التي دامت عامين شـهدت البـلاد خـلالها إنسـحاب بقيـة حاميات حاكم مصر منها . ولكنهـا شـهدت أيضـاً شـيئاً من القسـوة والإجـراءات الصارمـة .
وهـكذا عاد فيصل بن تركي إلى الحكـم وبدأت فـترة حكمـه الثانيـة التي إسـتمرت ثـلاثـة وعشرين عامـاً.
2ــ توحيــد نجـد والأحسـاء وبدايـة المشاكل : ــ
كان فيصل بن تركي قد إسـتولى على كثير من بلدان نجـد قبل أن يسـتولي على الرياض . وبعد إسـتيلائـه على العاصمـة قدمـت إليـه وفـود من بقيـة البلدان النجديـة معلنـة ولاءهـا له دون قتال . وهذا يوحـي بتطلع كثير من سكان المنطقـة إلى حكمـه ، ونظرتهم المعجبـة بزعامته . وكان مما قام به في مستهل فترة حكمـه الثانيـة أن وجـه إلى أتباعـه نصيحـة مشابهـة لتلك التي وجههـا إلى من إنضم إليه بعد إسـتيلائـه على العاصمـة ذاتهـا عند بدايــة فترة حكمـه الأولى . وتتضمن حثـهـم على الوحـدة وتطبيق أوامـر الشرع ؛ وبخاصـة ما يتعلق بالأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الزكـاة .
وكان أن قبيلـة المناصير لم تكن وحـدها القبيلـة الوحيدة التي لم تتجـاوب التجـاوب المأمـول في تلك الناحيــة. ذلك أن الإمام قام أيضاً بمهاجمـة قبيلـة بني هاجـر وأنزل بها بعض الخسائر . وكان وجـود الإمام فيصل بقواتـه الكبيرة في شـرقي البـلاد فرصـة لإنتزاع الدمـام من آل خليفـة . ولهـذا إتجـه إلى قصـرها حتى إضطـر من كانوا فيه إلى الإسـتسـلام له . وهكذا أصبحت المنطقـة الشرقيـة كلها جـزءاً من دولـته . وقبل أن يعـود منها إلى الرياض عـين أحمـد بن محمـد السـديري أميـراً للأحسـاء وعبد الله بن سـعد المـداوي أميراً للقطيفـــة .
ومن الواضح أن الإمام فيصل بن تركي لم يتعرض لغـزوات خارجيـة مهمـة خـلال فترة حكمـه الثانيـة . ولكنه واجـه مشاكل داخليـة متعددة.
(43)

وقد حـدثت عـدة مشـكلات وأولى تلك المشكلات وهو لا يزال في المنطقـة الشرقيـة عام 1260هـ . ذلك أن قسماً من قبيلـة العجمـان مع فئـات من قبائل أخـرى . أغـار على زعيم قبيلـة مطير محمـد الدويش . ونهـب كثيـراً مما كان معه . وكان الدويـش قد إشترك مع الإمـام فيصل في حربـه ضـد ابن ثـُـنيان . فما كان من الإمـام إلا أن سـاعده مالياً ليتغلب على ما حـل به . ويبـدو أنه رأي ذلك الحـل كافيـاً في الظـروف التي حـدث فيها الحـادث ، ولم يقم بعمل عسكري ضـد العجمـان ومن معهـم .
وكان عام 1261هـ ـ أسـوأ من العام الذي قبله من حيث المشاكل وخـطورتها المستقبليـة . فقـد شـهد ذلك العمل خـلافـاً بين أهـالي الأفـلاج إضطـر الإمـام إلى القيام بغـزو تلك الجهـة لحلـه . وشـهد إخـتلافـاً من بعض أهـل وادي الدواسر إضطـره إلى إرسـال جيـش بقيـادة أخيـه جـلوي للقضـاء عليه .
وقبل أن يصل عبد الله إلى الصبيحيـة هاجـم فريقـاً من العجمـان فهزمهم . ثم إتجـه إلى ذلك المكان، فوجـد فيه فريقـاً آخـر من تلك القبيلـة. فإنتصر عليهم . وكان راكان قد تحـرك من هناك ونـزل الجهـراء. فتوجـه عبد الله بمن معه إلى المكان المذكـور ، ودارت بينـه وبين راكان معركـة إنتهـت بهزيمـة العجمـان . وقتل حوالي سـبع مئـة رجـل منهم .
على أن قبيلـة العجمـان رغـم ما حل بها من خسـارة في معركـة الجهـراء لم تيأس من القـدرة على النهوض ، ولكنها أدركت أنها غير قـادرة على الإنتقـام إلا بإنضمـام حليف قـوي إليها . وق4د وجـدت ذلك الحليف في فئـات من قبيلـة المنتفق . وبدأ المتحالفـون من القبيلتـين يغيرون على كثيـر من القوافـل في شـمالي شـرق الجـزيرة العربيـة وأطـراف البصـرة والزبيـر . وإتخـذوا من الجهـراء مركـزاً لنشـاطهـم . وحين علم الإمـام فيصل بأعمالهم وخططهـم التي كانـوا يعدونها ضـده جهـزجيشـاً بقيادة إبنه عبد الله لمحاربتهم . وسـار عبد الله
بقـواتـه من الحاضرة والباديـة حتى هاجمهـم في الجهـراء بعد سـنة من محاربتـه للعجمـان في ذلك الموضع . وكان النصر حليفـه حيث أصبح المتحالفـون بين قواتـه والبحر . وكان أولئك المتحالفـون حـوالي ألف وخمـس مئـة رجـل . فمات كثيـر منهـم قتـلاً أو غرقـاً . ولذلك عـُرفت تلك السـنة لـدى بعض سكان المنطقـة بسـنة الطبعـة ؛ أي الغـرق .
(4)مشـكلـة القصــيم : ــ
ترجـع أسـباب مشكلة القصيـم في فترة حكم الإمـام فيصل بن تركي الثانيـة إلى جـذور تاريخيـة من أهمهــا الخـلاف الذي كان موجـوداً بين زعمـاء تلك المنطقـة وزعمـاء جبـل شـمر. ولعل بدايـة ذلك الخـلاف لجـوء بعض أنصار آل على ، أمراء الجبل سابقاً وخصوم عبد الله بن رشـيد ، إلى بريـدة .
ومن الواضح أن الإمام فيصل بن بن تركي قد إعتقـد أن لأميـر عنيـزة ، إبراهيم بن سليم ، يـداً في إغـراء الشريف بغـزو نجـد ، وأنـه فتح أبـواب بلدتـه أمامـه . ولذلك عـزلـه عن إمـارة تلك البلدة سـنة 1264هـ ، وعـين محلـه ناصر بن عبد الرحمن السـُحـيمي . ولكن هـذا الإجـراء أصبح مصـدر فتنـة بين أسـرة
(44)

الأميـر المعـزول وأسـرة الأمير الجـديد . فقد حـاول عـدد من آل سـليم ، بزعامـة عبد الله بن يحـي ، إغتيـال السـحيمي ، ولكنهم لم ينجحـوا في ذلك ، وإنمـا نجحـوا في إصـابته بجـروح . وحـاولـوا الإسـتيلاء على قصر الإمـارة ، الذي كان فيه أخـوه مطلق ، ففشـلوا . ولم يبـق أمامهـم إلا الهـروب من عنيـزة . فهـربوا منهـا إلي بريـدة ، وإحتمـوا بأميرهـا عبد العــزيز آل أبي عليـان. وقد ألزمهـم الإمـام فيصل أن يفـدوا إليـه في الرياض لينظـر في أمرهـم .
ويبدوا أن الإمام فيصـلاً رأى من المصلحـة إبعاد الأسـرتين المشار إليهمـا عن إمـارة عنيـزة ، وتعيين أحـد رجـاله فيها . فبعث عبد الله المـداوي إلى تلك البلدة . ولكن أخـا السـحيمي رفض أن يسـلمه قصـر الإمـارة . ولعـل المـداوي شـعر بأن السكان هناك لن يتعاونـوا معـه . فذهـب إلي بريـدة ليدرس الوضع بتـؤدة ورويـة. ثم إسـتدعاء أهـل عنيـزة ، فعـاد إليها ولكنهم ما لبثـوا أن أظهـروا بـوادر الثـورة . وحينما علـم الإمـام بذلك ســأله الســحيمي أن يعيـده إلى إمـارة البلدة لكي يقضـي على ثـورتها . فسـمح له الإمـام بالعـودة إلى عنيـزة . ولكنه ما أن وصـل إليهـا حتى إنضـم إلى الثائـرين فيها . وقد نجـح أولئـك الثائـرون في كسـب أمير بريـدة ليصبح رئيسـاً لثـورة عامـة في القصـيم .
وبعد أن أصبحـت ثــورة القصـيم عامـة برئاسـة عبد العـزيـز آل أبي عليـان قـاد الإمـام فيصل بنفسـه قوات كبيرة ، وتوجـه إلى تلك المنطقـة للقضـاء على ثـورتها سـلمياً أو عسـكرياً . وحينما وصل إلـى بلـدة المذنـب بعث إلى زعمـاء القصـيم يدعـوهم إلى حـل الأمـر بطريقـة سـلميـة ، فإسـتجابـوا لدعـوتـه وإتفقوا معـه على أن يعـودوا إلى طاعتـه ويلتزموا بما إلتزم بـه بقيـة سكان دولتـه . وبـدا وكأن الأمـور في تلك المنطقـة قد عـادت إلى مجـاريهـا . ولكن حادثــة وقعـت فبـددت ما كان مـؤملاً .
وقبل أن يعود الإمـام فيصل إلى الرياض علم أن فئات من قبيلـة عنـزة قد إجتمعت في القصيم. وكان هذه القبيلـة حيـنذاك حليفـة لأهل تلك المنطقـة . ويبدو أن الإمام قد رأى أن إتفاقـه مع زعمـاء القصيم لا يشمل القبيلـة المذكـورة . فأمـر إبنـه عبد الله أن يهاجمهـا . ونفـذ الإبن ما أمـره به والده ، وغنـم بعض ما كان معها من الإبـل والغنـم. فقـدم زعيمهـا إلى عنيـزة ، التي كان عبد العـزيـز آل أبي عليـان لا يزال فيها . وهــــــــب عبد العـزيـز وبعض أتباعـه لينتقموا من عبد الله بن فيصل . وحينما تجـاوزا بريـدة قابلهم بـدو من قومـه معهم أغنــام أرسـلها إلى أبيـه . فأخـذوا الأغنـام ، وأمسـكوا الرجال . وفضل بعضهم الإكتفـاء بذلك . ولكن بعضهم الآخـر أصـر على مهاجمـة عبد الله بن فيصل ومن معـه . وتقابـل الطـرفان في اليـُتيمـة، فإنتصــــــــر عبد الله على أهل القصـيم إنتصاراً عظيمـاً . وكان ذلك في عام 1265هـ .
وبعد معركــة اليـُتيمــة عـاد عبد العـزيـز آل عليـان إلى عنيـزة . وقد رأى سـكانها غير متحمسـين لدعوتـه لقتال الإمـام ، فهـرب منهـا عائـداً إلى بريـدة . وهـرب من عنيزة ، أيضاً ، ناصر السـحيمي، وإتجـه إلى طـلال بن رشـيد الذي كان مع أتباعـه في القـوارة حينذاك بناء على توجيـه من الإمام فيصل . وإجتمـــــــع
(45)

رؤسـاء هذه البـلدة بعد هـروب عبد العـزيـز وناصر منها ، وسـألوا قاضيهم عبد الله أبا بطين أن يركب إلى الإمــام فيصل ، ويطـلب منه العفـو عنهم . وقـد إسـتجاب الشـيخ عبد الله لسـؤالهم بشـرط أن يكفلهم محمـد البسـام ، الذي كان مسـموع الكلمـة فيهم . وحين تم ذلك ذهـب إلى الإمام وحصل منه على عفـو لهم . وتقـدم ذلك الإمـام بمـن معـه إلى تلك البلدة فدخلهـا وجـدد أهلهـا البيعـة له .
ولم تسـتمر الأمـور في القصـيم على ما كان يـؤمـل دعـاة الإسـتقرار . وذلك أن آل سـليم وأنصارهم في عنيـزة ثـاروا على جـلوي بن تركي ، وأجبـروه على مغـادرة بلدتهم سـنة 1270هـ . وتولي الإمـارة بعد مغادرة جـلوي عبد الله بن يحـي بن سـليم . فجهـز الإمام فيصـل جيشـاً بقيادة إبنـه عبد الله لمحاربـة تلك البلدة الثائرة. وحـدثت بين عبد الله وأهلهـا عـدة إشـتباكات توصل الطرفـان بعدهـا إلى صلح تـم إبرامـه في الرياض بين الإمـام فيصل وعبد الله بن يحـي . وبموجـب هذا الصلح تبقى البلدة تابعـة للإمـام ، ويكون عبد الله بن يحي أميراً عليهــا .
ومن الغريب أن الإمـام فيصـل عـين أحـد المشتركين في قتل ابن عـدوان ، وهو محمـد الغانـم ، أميراً للبلدة. على أن إمـارة محمـد لم تطـل؛ إذ عـزله الإمـام عن الإمـارة ، وأعـاد إليها عبد العـزيز آل أبي عليـان بعد أن تعهـد له بإصـلاح الأمـور في بريـدة ، وإرسـال من قتلـوا ابن عـدوان إلى الرياض أو نفيهم عن البـلاد . ولكن عبد العـزيـز لم يف بما تعهـد بــه للإمـام فيصل ؛ إذ قـرب المقاتلين إليه . وبعد أن إنتهـت معركـة عبد الله بن فيصل مع العجمـان وحلفائهم ، سـنة 1277هـ . وإتجـه بقواتـه إلى القصيم ., فخـاف عبد العـزيز على نفسه وغـادر بريـدة إلى عنيـزة ، ثم خـرج من هذه البلدة متجهـاً مـرة أخـرى إلى الحجـاز. ولكن فـرقـة من جيش عبد الله ابن فيصل ، بقيادة أخيـه محمـد ، لحقـت به في مكان غير بعيـد من عنيـزة، فقتلتــه. وعيـن الإمـــــــام عبد الرحمـن بن إبراهيــم أميـراً في بريــدة .
ويبـدو أن مقتل عبد العـزيـز آل أبي عليـان في مكان يـعـُده أهـل عنيـزة حـمى لهم كان سـبباً من أسـباب تجـدُد الخـلاف بين زعمـاء هذه البلدة والإمـام فيصل . وقد تــوتـرت العلاقـات بينهما حتى تحـولت إلى حـرب بدأت في شـوال سـنة 1278هـ . وكان قائـد القوات التابعـة للإمـام في بدايـة الأمـر عبد الرحمن بن إبراهيـم، أمير بريـدة . ثم تـولى القيـادة محمـد بن فيصل، فأخـوه عبد الله في السنة التي تلتهـا .
وقد إسـتمرت الإشـتباكات بين الطرفـين حـوالي سـنة كاملـة . ولكن المعركتـين الكبيرتيـن في تلك الإشـتباكات كانتـا معركـة رُواق ، والمعركـة المسـماة كـون المطـر. وقد إنتصـر أهل عنيـزة في الأولي ، وكادوا ينتصـرون في الثانيـة لـولا أن الله أنـزل المطـر . فأبطـل أسـلحتهم من البنادق التي تثـور بالفتيـل. وطـالت محاصـرة عبد الله بن فيصل لعنيـزة ، إلا أنـه توصل في نهايـة الأمـر إلى صلح مع زعمائهـا بـذل في عـقده طـلال بن رشـيد جهـداً بـارزاً . وقد صحـب عبد الله بن يحـي بن ســليم ، أمير البلدة ، عبد الله بن فيصل إلى الرياض حيث قابل الإمام فيصـلاً، وجــدد له البيعـة . وعـادت العلاقـة بين زعمـاء بلدة عنيـزة والإمــام
(46 )

فيصل إلى مجـراهـا الطبيعي . وبذلك إنتهـت مشـكلة القصـيم التي أخـذت من وقت الإمـام فيصل وطـاقاتـه الماديــة الشـيء الكثيـر .
(5 ) علاقــته بإمـارات الخليـج وعمــان : ــ
**لم تكن العلاقـة بين دولـة الإمـام فيصل بن تركي والكـويت في تلك الفترة مما يجعل المصادر التاريخيـة تهتم بها وتعـلق عليها . ومع أن المنهزميـن من قبيلـة العجمـان أمام عبد الله بن فيصل سنة 1276هـ ، هربـوا إلى داخـل الكويت ، وأن عبد الله حـاول أن يخرجهـم حاكمهـا منها ، فإن الأمـر لم تحـدث له مضاعفـات سـلبيـة . بل إن عبد الله لم يعـد من هناك إلا وقد تبـادل مع ذلك الحاكـم رسـائل الصداقـة والمودة.
أما علاقـة الإمـام فيصل بحكام البحريـن فكانت مختلفـة تمام الإختلاف عن علاقتـه بحكام الكـويت. فقد تمكن في بدايـة فترة حكمـه الثانيـة من إسـتعادة قصـر الدمـام ،الذي كان آل خليفـة قد إسـتولوا عليه من فــترة . وتوصل مع حاكـم البحريـن حيـنذاك إلى إتفـاق مشـابه للإتفاق الذي كان موجـوداً بين سـلفيهما . وأهم ما فيه دفـع ذلك الحاكـم الزكاة إلى الإمام فيصل ، ومساعدة الإمـام لـه ضـد أي عـدوان خـارجي. ولكن العلاقـة بين الطرفـين لم تسـتمر وفق ما كان مـؤملاً . بل خضـعت لتقلبـات مختلفـة نتيجـة لظـروف كل منهما .
ولقد وقفـت بريطانيـا ــ كما كان متوقعـاً ـ بجانب حاكـم البحريـن لما كان لها من نفـوذ ومصالح خاصة في بـلاده. ولم يكن وقوفها معه محصوراً في تهـديدهـا للإمـام فيصل بأن يتجنـب غـزو البحريـن , وإنما تجـاوز ذلك إلى ضـرب موانئـه لعـدم إبعـاده لمعارضي ذلك الحاكم من آل خليفـة عنها بحجـة عـدم ضمان أمنـه ما داموا فيهـا . على أنه في أواخـر عهـد الإمـام فيصل نجـح في وسـاطتـه لحـل الخـلاف الأسـري بين آل خليفـة . وعـاد المعارضـون لحاكـم البحرين إلى بلادهـم .
وأما بالنسـبة لجهـات عمـات فقد أرسل الإمـام فيصل إليها قـوات بقيـادة سـعد بن مطـلق المطيري سنة 1261هـ . وإسـتطاعت أن تتوغـل في الأراضي العمانيـة , وإضطـر حاكمها إلى دفـع الزكـاة إليه . ومع أن نفـوذ السـعوديين في تلك الجهـات ـ بل وفي البريمي ذاتهـا ـ تعـرض بعد ذلك لنكسـات شـديدة إلا أنهم تغلبـوا في نهايـة الأمـر، بقيـادة عبد الله بن فيصل , على الصعوبـات التي واجهتهم , وإســتعادوا بعض ما فقـدوه من نفـوذ .
(6) عـلاقتـه بالدولـة العثمانيــة :ــ
من الواضح أن الإمام فيصل بن تركي كان على إسـتعداد للتفاهـم مع الدولـة العثمانية . وربما كان سـبب ذلك إدراكـه لقوتها وما قد تـؤدي إليه معاداتها من مشـكلات , ومن المرجع أنه وافق على التبعيـة الأسمية لها , وعلى دفـع مبلغ من المـال كل سـنة إليها رمـزاً لتلك التبعيـة . ولعل مما يؤيـد ذلك أن الإمام ذكـر في إحـدى رسائله إلى المقيـم البريطاني في الخليج أنه تابع للسلطان العثماني . وأن والي بغـداد : ممثـــــــــلاً
(47)


للدولـة العثمانيــة وقد إحـتج على بريطانيا لإعتدائها على أراضي الإمـام فيصل مبرراً إحتجـاجـه بتبعيـة الإمام لذلك السلطان . على أنه من الواضح أن هذه التبعيـة : سـواء صـرح بها الإمام أو صرح بها الوالي العثماني على العراق , إنما قصـد بهـا ، أساساً ، تقويــة موقف من أشـار إليها ضـد ذلك العـدو المشترك ، وهـو بريطانيا.
(7) علاقتــه ببريطانيـا : ــ
كانت بريطانيا دائماً تقف ضـد أي دولـة قويـة تحـاول مـد نفوذهـا في الخليج وجهـات عمـان التي لها مصالح فيها . فقد وقفت ضـد الدولـة السـعوديـة الأولي, ثم وقفت ضـد محمـد علي ، ولم يكن موقفهـا من الإمام فيصل مختلفاً عن موقفيها السابقين ؛ وبخاصـة أن نفوذهـا في المنطقـة قد إزداد بعد إنسحاب القوات المصرية منهـا . وأصبحـت مصالحها فيها أكثر من ذي قبـل .
لقـد إمتنعـت بريطانيا عن مساعدة المعارضين للإمام فيصل في البريمي وما حولهـا في بدايـة عهـده , وأرسل إليها الإمـام رسـالة عـبر فيهـا عن أملـه في إقامـة علاقـات طيـبة معهـا مثل تلك العلاقـات التي كانت بينها وبين أبيـه الإمام تركي . وحينما توغـلت القـوات السـعوديـة في عمـان نصحت بريطانيا القـادة العماينين أن يدفعـوا إلى قائــد تلك القوات ما أراده من أموال , ولكنها وقفـت ضـد أي محاولـة يقـوم بهـا السـعودييـن للإسـتيلاء علـى مسـقط وصحـار .
وكان موقف بريطـانيا بالنسبة للنزاع بين الإمام فيصل وآل خليفـة مشابهاً , بدرجـة كبيرة ، للموقف الذي إتخـذته في عمـان . وذلك أنها لم تشـجع حاكم البحرين على عـدم دفـع الزكـاة إلى الإمام , ولكنهـا وقفـت إلى جانبــه ضـد أي محاولـة غــزو لبـلاده. بل هاجمـت أراضي فيصل لعـدم تخليـه عن إيواء خصوم ذلك الحاكم.



 

رد مع اقتباس
 
إضافة رد
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الانتخابات في المملكة العربية السعودية wadinews البلديات والمجلس البلدي والقروي 20 2016-09-16 10:38 PM
مدينة جده - المملكة العربية السعودية عبدالله الانصاري ملتقى السفر والسياحة 6 2016-03-02 07:30 PM
بوابة موسوعة المملكة العربية السعودية ‏النمر الوديع الأخبار المحلية والعربية والعالمية 0 2013-04-17 05:44 PM
المملكة العربية السعودية wadinews العلوم الإنسانية والتربية والفنون 12 2013-01-24 11:38 AM
الصورة التراثية من المملكة العربية السعودية غروب الشمس المرئيات - الصوتيات - الصور 6 2012-05-11 03:36 PM





1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63